الخميس, أغسطس 27, 2026
الرئيسيةمقالاتفي يومٍ من الأيام ...

في يومٍ من الأيام الفزع (2) بقلم/ الأستاذ: الغالي الزين حمدون…

شدينا مع ضيفي الأستاذ أحمد على الحمير وسط ترجي من الوالدة و الأخوات بالبقاء في الحلة خوفاً من أن يصيب ضيفي شيء من أثر التعب لكنه رفض رفضاً باتاً مخاطباً والدتي : يا أمي ما تخافي علي أنا مولود في الكوكيتي حلة زي حلتكم دي و سرحت بالغنم و البقر ، و سَرَبْتَ و نَشَقْتَ و فزعتَ و دَوَّرتَ على الرايحة…. أنا و أخوي دا ما تقولي أفندية ساكت ما تخافي علينا…
قالت لينا الله يعدل عليكم يا عيالي و يسهل أمركم و تجو منصورين ما (قمحانين) يعني ما مخذولين…..
الوقت كان ضحىً…. السماء متلبدة بالغيوم و الهرع المتدافع يتحرك بسرعة من الشرق إلى الغرب كأنه يسابق الشمس لمغربها مصحوباً ببرودة و رذاذ خفيف مثل (عزيمة الفكي) ، و هو الريق الذي ينفثه الفكي للرقية على جسم المريض……
الشمس كأنها تتوارى خجلاً من حين لآخر….. الأرض أخذت زينتها من البساط الأخضر من الحشائش… الزرع استوي على سوقه…. الناس يجوبون الزراعة طولاً و عرضاً يدفعون أمامهم الحشاشة (للجنكاب) أو الكديب كما يسمى في معظم أنحاء السودان . و هو عملية نظافة الزرع من الحشائش التي تنمو بعد الحراتة….
توجهنا مع ضيفي عبر البلدات قبل الوصول للوادي…. و من العادة إذا مر الشخص على مزارع أثناء عمله بعد السلام عليه يدعو له ” الله يعينك ” …. فيجيب المزارع ” اللهم آمين ، الله يعين الجميع “……
كنا كلما مررنا بمزارع نحييه بهذه التحية فيسألنا :
ماشين وين يا الأفندية في الضحوية دي ؟…
ما بتخافو من المطرة ؟….
لم نظهر لأحد بأننا فازعين . لأننا إذا أظهرنا ذلك سنكون مصدر سخرية و تندر كون الناس هنا لم يروا أحداً يفزع بحمار من قبل…. لكن من الطبيعي أن يفزع برجله ( أقروب) فلا حرج…..
كان نجاوب بأننا ماشين نتفقد الغنم و راجعين…..
دخلنا الوادي المتشابك بشجر المرخ الأخضر المتحزم بقش الحسكنيت و الربعة و العِرِق و نبات الأرقسي…..
لم نسأل أحد عن وجهة الغنم لأني أخذت الوصف جيداً و عندي معرفة بالوادي…..
مشينا مسافة ساعة و نصف من الزمن و صلنا (التاية) المكان الذي ينزل فيها (الرواعية) (عدَّادهم) جمع عِدَّة بالعامية….. و جدنا فقط العدَّاد بالقرب من ( كَرْ ) البهم أي عريشة الحملان…..
نزلت و تفحصت الكَرْ….. تبارك الله وجدته لا يقل عن الخمسين حملاً ، و هي بداية و لادة (بهلة) الخريف و كنت أسأل نفسي كم يا ترى نصيبي من هذا الكم من البهم ؟…..
حسب خبرتي أعرف تماماً أن الغنم لا تفضل المرعى وقت الضحى ، و أكثر مرتعها أوقات (العصرية) وقت العصر ، و (المعشاية) وقت العشاء ، و (السربة) في الثلث الأخير من الليل ، لكنها تنام وقت الضحى بالقرب من المراح و التاية…..
و قفت عند الكَر و ناديت بأعلى صوت : ( عوووووك )…. وهو نداء لمعرفة اتجاه المنادى….فيسمعك و يجيبك عوووووك محدداً مكان تواجده فيقدم عليك…..
وجدنا قسم الله ود الضو مع الغنم و سألته :
ـ وين (رباعتك) ؟ و يقال ( ربعك ) يعني رفاقك……..
ـ قال :
إبراهيم مشى الحلة يودي خبر السرقة..
ـ حمد ود عوض الله عندو نعجة ولدت تيمان البارح في السربة و ما قدر يجيبها ساق الحمار و مشى يرفعها….
ـ طيب ناس الفزع جوكم هنا ؟
ـ جو قبيل و مسكو درب الحرامية و (ريَّحوا) أي مشو جهة الريح و هو الشمال….
ـ قلت ليهو سرقو كم نعجة ؟
ـ تسعة…
ـ أنا عندي فيها كم ؟
ـ انت ما عندك فيها ، غنمك كلها فقدها حمد لقاها تامة….
ـ عندي كم نعجة ولدت ؟
ـ و الله ما بعرفهن ..بعرفهن حمد لكن كرو هناك أرح نلقو جي…
قال :
نسوي ليكم فطور ؟
قلت لا : بس
ـ توجهنا إلى تاية حمد رحمه الله ، و كنت مؤجره على غنمي و وجدناه وصل لتوَّه….
ـ سلمنا عليه قال نحلب ليكم لبن..
قلت لا : لكن طُق لي غنمي نفقدها ” طقها يعني أعزلها “……
ـ قال الحمد لله غنمك تامة ما فيها فقد ، و عندك ستة نعاج ولدت…. بس حاج عثمان سرقو منو على ما اذكر أربعة و الزين تلاتة و علي الضو اتنين…..
ـ تفقدت غنمي و نظرت إلى الكر و عرفني على بهمي و كم دخل السرور لقلبي ذلك اليوم !!…
صاحبي أحمد قال لي : السنة البهلة وحيدها بتعرف ليك….. قلت ليهو ” يسمع من خشمك الله “
قلت لحمد الغنم اتسرقت متين ؟
ـ الغنم دي اتسرقت مع المعشاية و شالوها في تلاتة جمال من مكان المعشاية…..
ـ ورينا درب الجمال الشالت الغنم….
ذهبنا مسافة ليست بعيدة من التاية فوجدنا أثر الجمال..
ـ قلت لأستاذ أحمد يلا نحنا نقص العاقب عشان نعرف الحرامية ديل قاموا من وين و نركِّز دربهم…..
الحشائش كانت كثيفة و لم نستطع بيان أثر الجمال إلا عن طريق كسر القش و مشينا عليهو أكتر من ساعة…. فجأة ظهر حاج عثمان راكب حمار أيضاً….عرفنا ونادانا من بعيد توجهنا نحوه كما هو كذلك حتى التقينا و سلمنا على بعض…
قال لينا أنا ما عارفكم فازعين بحمير . هسع انتو جايين من وين ؟
ـ جايين من وادي الشقيلة فقدنا الغنم و قاصين العاقب شكلو اتجاهو جاي بين ود داوود و السرارية….
ـ أها الغنم الاتسرقت حقت منو ؟
قلنا ليهو حقتك و علي الضو و الزين….
قال لي يعني كلام عندك غنم مسروقة دي ساي….
ـ ايوة ما عندي…
ـ أها الرأي شنو ؟
قلنا نقص العاقب….
أثناء ما نحن متوجهين بالعاقب قطع لينا درب تلاتة جمال ….
حاج عثمان وقف قال : بدل نمشي ساي أحسن نعتِّب الدرب شوية احتمال يكون دا هو و لاس( تاه) على ناس الجمال …….
تتبعنا الأثر فوق الحشائش حتى الساعة الثانية ظهراً و وجهناه ريح……
فجأة ظهر السعيد علي ، و علي حسن راكبين جمال جايين من ريح…. قالوا الدرب لاس في وادي أم بقيلة ، من الضحى ما قدرنا نمرقو لأن القش كتير ، لكن انحنا قلنا الناس يتقاطعوا في الزراعة المحشوشة يمكن الدرب يبين فيها….و جينا مع السعيد نبدأ من مكان الدرب لاس لينا يمكن يكون لفي…..
قلنا ليهم الدرب ياهو قدامنا….
علي حسن راعي إبل من صغير….و بعرف يقص الدرب كويس …. نزل من جمله و قال أتبعوني…..
وجه الدرب مسافة قال : أركبوا خلاص عرفت اتجاه الحرامية…. تبعناه لمسافة نصف ساعة…قاطعنا درب زرع….
طوالي علي حسن وقف قال : أقيفوا…..
نزل من جمله و قص درب جمل طالع من القرية القريبة مسافة…..
جاء راجع قال : و الله دا درب واحد من الجمال الشالت الغنم…. ظاهر سيدو نزلهن و ( كمنهن) في البيوت وطالع من الحلة…….كدي انتو بس أتبعوني…..
حتى هذه اللحظة لم يظهر بقية الفزع….قالوا انضم عليهم أهل قرية أم شتامة أصبح عدد الفزع (٣٤) جمل….
تتبعنا درب الجمل مسافة نصف ساعة…. علي حسن شاف ليهو جمل برعى من بعيد قال :
حرَّم داك الجمل الشال الغنم…..طوالي مشى رسنه بحبل و جاء به……
قلنا ليهو : يا أخي عرفتو كيف ؟….الجمل دا سيدو مافي يمكن يجي يتشربك فينا….
بخبرة رعاة الإبل قال : سيدو بكون قاعد قريب هسي كان شافنا بجي….
قلنا ليهو بس أنت كيف عرفت دا الجمل الشال البهايم ؟……
قال أول حاجة…. درب الجمل الشال البهايم بَكُر رجلو كَرْ ، و أنا تأكدت منو من محل شال الغنم و ياهو دا الدرب ذاتو كان لقيتو في السيسة منعرفو…… بعدين الجمل أتر الطافة و القُرْدَة جديد فوقو …. و لسع العرق ما راح منو… معناها الجمل دي كان مسافر…..
التفت السعيد و قال داك زول قاعد في ضل الهجليداية ديك…..
توجهنا نحو الرجل…. علي حسن ممسك برسن الجمل…..
وصلنا الرجل و وجدنا سرج الجمل أمامه و هو جالس بفتل في حبل….
سلمنا عليه…. رد علينا السلام ببرود….. حتى أنه لم يكلف نفسه بالوقوف ليصافحنا…..
بادرنا ببرود قائلاً :
مالكم مع الجمل يا ناس ؟…..
علي قال ليهو :
الجمل دي شايل لينا غنم البارح من وادي الشقيلة ؟..
قال : عرفتو كيف ؟
قال ليهو : أنحنا قاصين الدرب من محل شال البهايم لحدي ما وصل حلتكم و جي لحدي هنا يا هو دربو…… و بعدين درب الطافة و القردة لسع ما راح منو…..
قال لينا إنتو (ودَّرتُو) دربكم فِكُّوا الجمل…
علي قال ليهو الجمل ما منفكوا….و انت تقوم تمشي معانا الحلة….
قال : أنا ما بقوم و ما ماشي معاكم…..
أثناء النقاش ظهرت ثلاثة بنات كانوا في البلاد….
واحدة منهم قالت :
في شنو ياجماعة و الله أبوي دي ليهو أسبوع ماطلع من الحلة و ما سافر لأي حتة…..
الرجل قال لينا :
أحسن تفكُوا الجمل !! …
هنا شعرنا بنبرة تهديد… لم يكن بأيدينا غير العكاكيز ( فزع أفندية) أنا كنت لابس سكين…. السعيد عنده سيف…. كل واحد فينا أتحضر…. شفنا حاج عثمان بتحسس في جيبو ، عرفنا عنده مسدس…..
السعيد داهم الرجل و هو جالس و كتفوا من الخلف و قال ليهو :
والله كما قمت نسوقك مربوط….
حاج عثمان شهر مسدسه و وقف بعيد…….. أنا و صاحبي أحمد مركزين مع البنات يمكن أبوهن يكون عنده سلاح مخفيه و يرمنو ليهو…..
الرجل دخله الخوف… واحدة من البنات قالت يا جماعة و الله أنحنا و أبوي أصلاً مارقين ، منمشي معاكم لي الحلة ، بس عليكم الله فكوه…..
علي قال للسعيد ما تفكو …. الرجل في البداية حاول يقاوم لكنه هدأ و أوقف المقاومة…..
علي حسن رفع سرج الجمل على صفحة جمله … و سلم جمل الرجل لحاج عثمان و قال لي الزول : أركب وراي……
الرجل اتردد شوية لكن مع الخوفة ركب مردوفاً خلف علي حسن……واحدة من البنات ركبت على حمارة و الاثنين مشن على أرجلهن……..
قبل دخولنا الحلة سألنا من بيت الشيخ…..
البنات وصفوا لينا البيت….
طول هذا الوقت كنا صياماً … و برغم شدة العطش لم يفطر منا أحد و في تقديرنا لم يتبقى لزمن الإفطار إلا القليل…..
دخلنا الحلة و لم يبق غير نصف ساعة للإفطار….
في طريقنا إلى بيت الشيخ مررنا على مجموعة من الناس أمام بيوتهم فسلمنا عليهم و لم يرد علينا أحد السلام…… كان أهل القرية ينظرون إلينا باستغراب و غضب…. سمعنا واحد قال : الحلة دي ما فيها رجال و لا شنو ؟….. لم نلتفت إليه و لم نجاوب حتى وصلنا بيت الشيخ و استقبلنا أمام بيته…….
قبل جلوسنا حكينا له الموقف و سبب احتفاظنا بالجمل…..
قال : خلاص يا جماعة الزول دا معروف خلوه يمشي بيتو أنا بضمنه ، و الجمل دا بمسكو عندي و صباح الله بخير نقعدو نَحِلو المشكلة…….
الشيخ نادى أولاده قال ليهم أمرقوا البروش للضيفان وتعالوا نزلوا حمير و جمال الضيفان و ربطوهن……
أتفضلوا استريحوا على الفراش الفطور قرب………
جلسنا على البروش….. تبقى للإفطار فقط عشرة دقائق…… حضَّروا لنا الأباريق للوضوء في انتظار الإفطار…..
توضأنا و بدأ الجيران يتوافدون إلينا بالإفطار………..
و قبل أذان الإفطار بثلاثة دقائق حضر بقية الفزع إلينا في بيت الشيخ………

إلى الحلقة القادمة لنعرف ماذا حدث…..

الأستاذ / الغالي الزين حمدون

اغسطس 2026م

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات