حين بدأت الحرب في السودان، كان الجنيه المصري يعادل نحو 17 جنيهاً سودانياً. اليوم، وبحسب السعر الذي يدور في السوق، أصبح الجنيه المصري يعادل نحو 120 جنيهاً سودانياً. قد تبدو الأرقام مجرد حركة في سوق الصرف، لكنها بالنسبة إلى السوداني الذي فرّ إلى مصر بحثاً عن الأمان، تعني شيئاً آخر: ارتفاعاً حاداً في تكلفة الحياة. فأسعار السلع والإيجارات تُدفع بالجنيه المصري، بينما تتآكل قيمة الدخل والمدخرات السودانية. وهنا لا تكون المشكلة في ارتفاع السعر المصري وحده، بل في انهيار قدرة الجنيه السوداني على شرائه. خذ الإيجار مثالاً. إذا بلغ متوسطه 5 آلاف جنيه مصري، فقد كان يعادل في بدايات الحرب نحو 85 ألف جنيه سوداني، بينما يعادل اليوم، بسعر 120، نحو 600 ألف جنيه سوداني. أي أن المبلغ نفسه أصبح يحتاج إلى نحو سبعة أضعاف قيمته بالجنيه السوداني. وهنا تظهر الحقيقة التي قد لا يراها من ينظر إلى الأسعار بالجنيه المصري وحده
تكلفة الحياة في مصر لم تتضاعف بالضرورة، لكن تكلفة الحياة في مصر بالنسبة للسوداني تضاعفت مرات عديدة بسبب انهيار عملته. تضع اللاجئ بين اقتصادين…. فالسوداني في مصر يعيش عملياً بين اقتصادين اقتصاد البلد الذي لجأ إليه، واقتصاد البلد الذي جاء منه.
من يعمل داخل مصر ويتقاضى بالجنيه المصري يكون أقل تعرضاً للأثر المباشر، لكن العبء يصبح قاسياً على من يعتمد على مدخرات سودانية، أو راتب يأتي من السودان، أو تحويلات من الداخل. وهؤلاء لا يواجهون فقط ارتفاع تكاليف المعيشة، وإنما يواجهون انكماشاً مستمراً في القوة الشرائية لما يملكونه أصلاً. مدخرات كانت تكفي الأسرة لأشهر تتآكل، ودخل كان يبدو مقبولاً قبل الحرب لم يعد يضمن الحد الأدنى من احتياجاتها. ليست المشكلة في الإيجار وحده فالإيجار هو المثال الأوضح، لكنه ليس سوى جزء من الصورة. فهناك الطعام، والمواصلات، والتعليم، والعلاج، والاتصالات وسائر الاحتياجات اليومية. كل هذه النفقات تُدفع بالجنيه المصري، بينما تتراجع قيمة ما يملكه السوداني بالجنيه السوداني. وهكذا يصبح اللاجئ أمام معادلة قاسية: أسعار بالجنيه المصري، ودخل أو مدخرات تتآكل بالجنيه السوداني. والنتيجة: تراجع مستوى المعيشة، وتقليص الإنفاق، واستنزاف المدخرات، وزيادة الحاجة إلى الاستدانة أو المساعدة.
الوجه الآخر للأزمة
الأخطر أن الأزمة تخلق تفاوتاً متزايداً داخل مجتمع اللاجئين بحسب مصدر الدخل. فمن يعمل في مصر ويتقاضى بالجنيه المصري يملك هامشاً أفضل، بينما يخوض من يعتمد على دخل سوداني أو مدخرات سابقة معركة استنزاف يومية. وهكذا قد تتحول قضية اللجوء من مشكلة أمن وأمان إلى مشكلة قدرة على البقاء الاقتصادي.
مصر نفسها تواجه أعباء اقتصادية كبيرة، والسودانيون يعيشون داخل اقتصاد مصري له تكاليفه وضغوطه. لكن المشكلة أن اللاجئ السوداني يجد نفسه في وضع اقتصادي شديد الهشاشة، لأنه فقد في الوقت نفسه الاستقرار في بلده، ومصدر دخله، وقيمة عملته. ومن هنا فإن التعامل مع أوضاع السودانيين في مصر لا ينبغي أن ينحصر في ملف الإقامة أو المساعدات الإنسانية فقط، وإنما يجب النظر إليه باعتباره أزمة اقتصادية متنامية تحتاج إلى حلول عملية. فاستمرار انهيار الجنيه السوداني يعني أن الأسرة السودانية تحتاج كل يوم إلى المزيد من الجنيهات السودانية للحصول على المبلغ نفسه من الجنيه المصري.
الرقم الذي يلخص المأساة في بداية الحرب: 1 جنيه مصري = 17 جنيهاً سودانياً. اليوم: 1 جنيه مصري = 120 جنيهاً سودانياً. وبين الرقمين قصة أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتآكل المدخرات، وتراجع الدخول. لقد عبر ملايين السودانيين الحدود إلى مصر حاملين ما استطاعوا حمله من أموال وذكريات وأحلام. لكن الحرب لم تتركهم عند الحدود. لقد عبرت معهم. عبرت في صورة مدخرات تتآكل، ورواتب تفقد قيمتها، وإيجارات تصبح أكثر كلفة، وأسر تكافح كل شهر لتعيد ترتيب ميزانيتها من جديد. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب بل أصبح أيضاً: كم تبقى من القدرة الاقتصادية للاجئ السوداني على الاستمرار في رحلة اللجوء؟ فحين ينهار الجنيه السوداني من 17 إلى 120 مقابل الجنيه المصري، لا يكون الذي انهار مجرد سعر صرف. إنها قطعة أخرى من قدرة الإنسان السوداني على الاحتمال.
