الثلاثاء, أغسطس 25, 2026
الرئيسيةمقالاتفي يومِ من الأيام ...

في يومِ من الأيام الفزع (1) بقلم الأستاذ/ الغالي الزين حمدون…

في رمضان عام ١٩٨٠م حضرت و زميلي الأستاذ أحمد عبد السيد حمد من أبناء الكوكيتي عليه الرحمة و المغفرة و كنا حديثي مهنة التعليم…..
تزاملنا طلاباً بمدرسة خور طقت الثانوية العليا عام ( ١٩٧٥ ـ ١٩٧٨م )…. عملنا بالتدريس مباشرة و صادف أن تم توزيعنا معاً لمدرسة بارا الأميرية المتوسطة . وكانت ذات ثلاثة أنهر ” (أ) و (ب) و (أم قرفة) مؤقتاً و نقلت فيما بعد إلى مدينة أم قرفة و نقلت إليها معلماً مع الأستاذ حامد فضل الله الضو مديراً و أستاذي العجب ابراهيم اسماعيل رحمه الله و الاستاذ عبد الباقي قسم الله تمساح ……
و من الصدف أن نسكن أنا و احمد عبد السيد في غرفة واحدة ، و نقلنا الى معهد المعلمين الأوسط بأم درمان قسم الدرسات العربية و الاسلامية معاً . و الذي اصبح اليوم أحد كليات جامعة القرآن الكريم على ما اعتقد . و سكنا أيضاً في غرفة واحدة في المعهد ، و معنا من الزملاء عيسى محمد عبد القادر (خميني) من النهود ، و صديق الصادق الحبيب من النهود ، و خيرات البدوي من أم روابة و الطيب محمد الطيب من الرهد و بجوارنا الضو الماحي و زملاء من القضارف و شغل فيما بعد منصب والي في سنار و منسق خدمة وطنية ، و كانت لنا حكايات و جولات في المعهد……..
زمالة دراسة ، و عمل ، و تدريب ، و سكن….إذا لم تفضي كل هذه لخلق صداقة حميمية و أزلية ، فلا كانت بعدها صداقة و لا دامت……
من الصدف أنه أنا و الأستاذ أحمد نلتقي في بعض الهوايات مثل الحكاوي و الإهتمام بالتراث غير أنه يتفوق علي بذخيرة وافرة من تراث الدوبيت و الجراري و صوت جميل و رخيم يطاوعه على تقليد كل الفنانين . و كان فنانه المفضل حمد الريح و يمتلك أحدث التسجيلات لحمد الريح . و إذا وضع يده على أذنه و نمَّ بالدوبيت ما بتلحق أو ( بتطاقش ) زي ما بقولوا أهلنا…. و من طرفه أنه كان الوحيد الذي يمتلك مسجل (jvc) و يسمعك حمد الريح (غصب) عنك ، لو ما عاوز تسمع تمشي تنوم……
و كان يشبهه في هواية الغناء زميلنا الاستاذ صالح نور الدين من كازقيل ، أيضاً هو مولع و مهووس بالفنان محمد وردي و يملك الأشرطة و لا يمتلك مسجل و يأتي في أوقات بكون فيها استاذ أحمد ما عنده مزاج في المسجل أو عاوز يرتاح و يستلف منه المسجل و يأوي إلى ركن من الحوش و يدخل شريط أغاني وردي في المسجل و يدندن معه بكل إحساسه ، في حين أنك لو جالست أستاذ صالح تظن أنه لا يتحدث ابداً بينما ينطلق لسانه متى ما سمع أغنية لوردي …… و من طرف أستاذ صالح أنه يستحيل يمشي مناسبة او نادي ولا يكون في جيبه شريط لوردي……
فإذا ذهب للسوق أو أي مناسبة و وجد مسجلاً يختلس الفرصة و يهمس لصاحب المسجل ليدخل شريط وردي و بالتالي يستمع الناس غصب عنهم لوردي……. و تعزيزاً لهوايتنا المشتركة مع الاستاذ احمد اتفقنا على استقلال الإجازات الصيفية لجمع تراث التوية و الجراري في منطقة دار الريح و نسجل به حلقات في الإذاعة و التلفزيون لكن شاء الله أن تفرق بيننا الغربة و أن توافي المنية أخي الأستاذ أحمد بالمملكة العربية السعودية فيما بعد……
كالعادة كانت عطلة عيد رمضان قصيرة لا تمكن المعلمين و الطلاب من السفر لمناطقهم البعيدة . فيتوزع الطلاب لقضاء فترة العيد مع زملائهم في المدينة أو القرى القريبة…..
أما المعلمون ففي أغلب الأحيان يختارون البقاء بالميس في المدرسة……
بحسب العلاقة الحميمة و الصداقة الودودة التي ربطتني و الأستاذ أحمد عبد السيد اتفقنا على أن نقضي عطلة عيد الفطر بقريتنا ام قويز لقربها من مدينة بارا ، و عطلة عيد الأضحى بالكوكيتي لأن بها فسحة من الأيام تمكننا من الذهاب و الإياب…….
حزمنا شنط ملابسنا و تحركنا لقريتنا قبل يومين من العيد….وصلنا في غضون نصف ساعة باللوري ، و لم يكن طريق الأسفلت موجوداً وقته ، بل حتى لم يكن حلماً في ذلك الوقت…. الوقت كان خريفاً و الأمطار تتقاطر بين يومٍ و يوم ، أو يومٍ و ليلة….
قضينا نهارنا نياماً من أثر الصيام على عكس عادة أهل القرية الذين يبكرون (للضحوة) بالزراعة و السعية ، و يعودون قبل منتصف النهار يخلدون لقسط من الراحة ، ثم يعاودون نشاطهم و (يسربون) إلى الزرع و البهائم و يعودون قبل الإفطار بقليل……..
تناولنا إفطارنا في الضرا كعادة الأهل . لكن في ذلك اليوم توسَّع الضرا بتوافد الجيران و أغلب أهل القرية إكراماً لضيفي . وظلوا معنا بعد الإفطار نرشف أكواب الشاي و فناجين القهوة ونتجاذب الحديث…. كان أكثر ما يشدهم الإستماع لضيفي عندما يقارن بين منطقتهم و منطقتنا من ناحية الطبيعة و التربة…. هنا التربة رملية و عندهم طينية….
و لأن الأستاذ أحمد كان مرهفاً و حاكياً بارعاً ، و يجيد أغاني الدوبيت و الجراري ، إضافة الى أنه معلم لغة عربية و جغرافيا يجيد و يسترسل في وصف البيئة و البهائم ، جذب استماع الحضور إليه حتى أذن مؤذن العشاء فذهبنا لأداء الصلاة و التراويح قابلنا فيها بقية أفراد القرية فأجبرونا على الجلوس في ساحة المسجد للونسة و الحكاوي مع الضيف حتى وقت متأخر من الليل لم يكن أهل القرية معتادين البقاء لذلك الوقت من رهق العمل بالزرع……
رجعنا مع ضيفي إلى مقر مبيتنا في (الخلوة) وهي قطية خارح حوش البيت و تعتبر ديوان لاستقبال الضيوف و مكان لمبيت ( الصبيان) الشباب الذين يبلغون الحلم من الأسرة و كان سعيداً بمعرفة أهلي و أريحيتهم……..
أصبح علينا يوم (التاسوعة) و هو اليوم التاسع و العشرون من رمضان أو على العموم اليوم ما قبل العيد فحضر إلينا بعض الشباب بالكوتشينة للتسلية و تقصير الوقت كما يقولون…….
و حالما افترشنا الأرض للكوتشينة سمعنا ( كوراك ) في طرف الحلة من (صعيد)……
عادة الكوراك و هو تنبيه للناس بدلاً عن النحاس يأذن بحدوث شيء ما.
و له عدة حالات :
ـاذا تبعته زغاريد نساء هذا يعني ولادة طفل ذكر ، أو عقد قران أو فرح أيٍ كان…….
و إذا لم تتبعه زغاريد يعنى طلب النجدة لحدوث كارثة كالحريق و السرقة أو هجوم على القرية أو مشكلة أدت لموت أحد أو جماعة….
و في كل هذه الحالات يعني الكوراك نداء ( للفزع ) أو النجدة أو الفرح……
سمعنا الكوراك للمرة الأولى لكننا لم نسمع زغاريد . فاسترقينا السمع مرة أخرى و لم نسمع زغاريد . فتيقنا تماماً أن هناك حادث يستدعي الفزع……
هرعنا من الخلوة على عجل فرأينا كل أهل القرية رجال و نساء و أطفال يركضون نحو الحِلَّة من (صعيد) و يتساءلون عن الحاصل شنو ؟….
قبل أن نخطوا خطوات من حرم بيوتنا جاء أحد الأطفال يركض من صعيد و يصيح :
ـ جدي الغالي (ضانك) سرقوه !….
ـ قلت ليهو : ميتن؟
ـ قال لي : من البارح ….
ـ الكلمك منو ؟
ـ قال لي : أسع جي إبراهيم فضيل و قال سرقو منو تسعة نعاج ” انت عندك فيهن أربعة و حاج عثمان تلاتة و أبوي الزين اتنين “….
ـ سرقوها من وين ؟
ـ من وادي الشقيلة….
ـ كان بايت مع الغنم منو؟
ـ حمد ود عوض الله و قسم الله ود الضو و إبراهيم ود فضيل…..
ـ أثناء استجوابنا للطفل رأينا كل الرجال راجعين لبيوتهم و بعضهم شدَّ جمله و استعدَّ للفزع….فقط فضلن النسوان في بيت أخونا فضيل وسط جلبة تساؤلات و صياح و دعاء…. يدعين أن يسلط الله غضبه على الحرامية و يبرِّد (كرعيهم) أي يتقِّل خطواتهم و يعطلهم في المشي ، و لرجال الفزع و باللحاق و النصر……..
حقيقةً أنا كنت معلماً في موسم الدراسة ، و مزارعاً و راعياً في موسم العطل و الإجازة…… و كنت أمتلك جملاً بالقرية أستقله في الاجازة للمشاوير و الزراعة و البهائم و أشارك في الفزوعات….. أصبحت بين خيارين : إما أن أترك ضيفي و أركب و أفزع مع الناس ، أو أبقى معه في القرية… عصفت ذهني سريعاً فوجهت شقيقي الأصغر آدم رحمه الله بالركوب مع الفزع لأبقى أنا مع ضيفي في القرية……
فعلاً شدَّ آدم مع الناس . و تحرك الفزع إلى المكان الذي سرقت منه البهايم……..
في هذه اللحظة لم يبق في القرية إلا أنا و ضيفي و النسوان و الأطفال…..
قلت لضيفي :
ـ نرجع البيت….
ـ قال لي : نرجع نسوي شنو ؟
ـ ناخد راحتنا و نراقب الحلة لما الناس ترجع من الفزع….
ـ قال لي :
نقعد مع العوين ؟ يمين دقيقة ما نقعد…..
ـ قلت ليهو مافي جمال عشان نركب نفزع بيها…
ـ قال لي نفزع ( أقاريب ) جمع أقروب و هو الراجل ، عكس الراكب…..
حاولت إقناعه بكل السبل على البقاء بالحلة . و أوضحت له بأني موكل بإمامة الناس في صلاة العيد و ما في طريقة أفزع…
ـ قال لي الحلة ما فضل فيها زول ، إلا كان تؤم العوين و العويلة ( العيال ) . و لا أقول ليك حاجة : ” انت اقعد وأنا بفزع مع الناس أقروب “….
ـ قلت ليهو خلاص ما دام مصر على الفزع ، نركب الحمير و نمشي معاك نركِّز العاقب و نجي راجعين…….
” للفزع عندنا اتجاهين “.
ـ الوجهة : و هي الجهة التي اتجه إليها أو سار و توجه نحوها السارق بالبهائم او الأشياء المسروقة…. ـ
ـ العاقِب ( التعقُّب ) هو تعقب الأثر إلى الجهة التي قدم منها الحرامي ، و تحديد النقطة أو البيت الذي تحرك منه لمعرفة اسمه و الوجهة التي جاء منها سواء كان ضيفاً أو صاحب منزل بشهادة شيخ القرية و بعض الأعيان…. و في حالة عدم لحاق الفزع بالسارق يرجع الناس إلى النقطة التي ركز فيها العاقب باعتراف صاحب الدار و شهادة شيخ القرية و الأعيان . فيذهبون إلى أهل السارق إذا كان معروفاً لتسوية الأمر . و إن لم يكن معروفاً يترصدونه بوصفه و اسمه و وصف و (وسم) جمله أينما و متى ما وجد يقبض عليه…..
ـ وافق ضيفي على مقترحي . و كانت لوالدتي رحمها الله حمارة خدرا ( حُرَّة ) ، و دحش أزرق طويل “ازرق يعني اسود” … فأسرجناهما و توجهنا إلى وادي الشقيلة حيث مكان المراح الذي سرقت منه الغنم………

نواصل في الحلقة القادمة تداعيات فزعنا بالحمير إن شاء الله…..

الأستاذ / الغالي الزين حمدون ..
٢٠٢٦/٨/م…..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات