عندما ينقشع غبار المعارك وتضع الحرب في السودان أوزارها يومًا —وهي ستنتهي حتمًا— لن تكون اللحظة الأولى للسلام مجرد مشهد احتفالي تُفتح فيه الطرقات وتُرفع فيه أعيرة الابتهاج؛ بل ستكون، في جوهرها الإنساني، لحظة انكسارٍ معقدة صامتة؛ مواجهة حادة وموجعة بين إنسان صمد واستبسل ليبقى على قيد الحياة، وبين النسخة الممزقة التي أصبح عليها بعد أن نهبت السنوات زهرة شبابه، وحفرت على جبهته تجاعيد الفقد والنزيف.
تُثبت تجارب التاريخ النزيفِيّ للحروب الأهلية أن الفاتورة الأشد إيلاماً لا تُدوَّن في سجلات الخسائر المادية ولا في البيانات العسكرية الجافة. الفاتورة الحقيقية هي تلك التي تدفعها الأرواح في العتمة؛ عمرٌ تسرب كالرمال بين الأصابع، وشبابٌ ضاعت زهرته بين خيام النزوح ودياجير الملاجئ، وجيلٌ كامل تفتح وعيه على دوي الدانات وصرخات الفجيعة، ليتعلم أن “الوطن” ليس سوى حكاية قديمة حزينة يرويها الأب بأسى قبل النوم.
إن المخاطر الجسيمة التي تتهدد المستقبل السوداني لا تتوقف عند حدود المباني المهدمة والمؤسسات المجهدة، بل تضرب في عمق النسيج الاجتماعي والذاكرة الجمعية. كيف سيعود الناس إلى أزقتهم التي يحفظون أسرارها، فلا يجدون فيها سوى الصمت ووجوه غائبة؟ كيف سيتأملون أبواباً كانت تفيض بضجيج الحياة والضحكات، فأصبحت اليوم شواهد صامتة على أصدقاء غيبهم التراب أو بلعتهم المنافي البعيدة؟ إن السلام التكتيكي الذي يكتفي بإسكات البنادق لا يملك عصا سحرية لإعادة من رحلوا، ولا لاسترداد سنوات العمر وفرص الحياة والأحلام الغضة التي احترقت في آتون هذا الصراع العبثي.
وحين يقف السودانيون غداً فوق الركام المحترق ليحاولوا البداية من جديد، سيواجهون السؤال الأشد قسوة، السؤال الذي سيطرحه عليهم أطفالٌ كبروا غطاءُهم التشريد: “كيف تركتم الوطن ينحدر إلى هذا القاع؟”. ولن تكون الإجابة حينها سوى مطأطأة للرؤوس، لأن الحقيقة المجردة تصرخ بأن الجميع خسر في محرقة لم يكن فيها منتصر، وأن الثمن باهظاً دفعته الفئات الأكثر هشاشة؛ أمهاتٌ انتظرن عند العتبات ورحلن بغصتهن، وآباءٌ هرموا واستنزفتهم الغربة قبل الأوان.
ومع ذلك، فإن الرهان المتبقي أمام مجتمع أنهكته الكوارث لن يكون الاستسلام للمرارة، بل محاولة القيام والمواجهة بأيدٍ مرتجفة وقلوبٍ أثقلها الغياب. إن معركة الترميم الحقيقية هي إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وزراعة بذور الأمل لأحفادنا دون أن نورثهم الأحقاد والضغائن التي جرحت جسد الوطن. إنها اللحظة الأخيرة للإجابة عن السؤال الشاخص في الضمير الجمعي: كم من الدماء والفقد نحتاج لنفهم أن الوطن لا يكسب أبداً حين يهزم أبناؤه بعضهم بعضاً؟
