الجمعة, أغسطس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالعودة إلى القصر… وماذا بعد بقلم: م. الصادق عباس نجّار مهندس معماري...

العودة إلى القصر… وماذا بعد بقلم: م. الصادق عباس نجّار مهندس معماري | مخطط عمراني

هناك مشاهد تختصر في لحظة واحدة معنى مرحلة كاملة.

أن يعود رئيس مجلس السيادة إلى القصر الجمهوري في الخرطوم، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، وأن يستأنف منه نشاطًا رسميًا بتسلم أوراق اعتماد عدد من السفراء، هي لحظة وطنية مهمة تستحق الترحيب والتوقف عند دلالاتها.

فعودة القصر الجمهوري إلى العمل الرسمي تحمل قيمة رمزية ومؤسسية كبيرة. فالقصر ليس مجرد مبنى حكومي، وإنما أحد أبرز رموز الدولة السودانية ومقر ممارسة رأس الدولة لمهامه. ولذلك فإن استعادة نشاطه الرسمي تمثل إحدى العلامات المهمة في مسار عودة الدولة إلى عاصمتها.

وأرى أن هذه الخطوة تستحق أن تُقرأ بإيجابية، لا باعتبارها استعادة لمشهد من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها بداية لمسار أوسع نحو استعادة الحياة المؤسسية في الخرطوم.

وهنا يبدأ السؤال الأهم:

ماذا بعد العودة إلى القصر؟

فالعودة إلى مقر رأس الدولة هي خطوة مهمة، لكن قيمتها تزداد عندما تتبعها عودة تدريجية ومنظمة لبقية مؤسسات الدولة، واستعادة وظائفها وقدرتها على إدارة شؤون البلاد من العاصمة.

الدولة تعود فعليًا عندما تستعيد مؤسساتها وظائفها، وتنتظم علاقاتها، وتستعيد قدرتها على إنتاج القرار وتنفيذه، ويبدأ المواطن في رؤية أثر ذلك في حياته اليومية.

والخرطوم التي تعود إليها الدولة اليوم ليست الخرطوم التي غادرتها قبل الحرب.

لقد تغيرت بنيتها العمرانية، وتضررت بنيتها الأساسية، وتبدلت حركة السكان والاقتصاد، وظهرت احتياجات جديدة فرضتها سنوات الحرب والنزوح والدمار.

ولهذا فإن العودة إلى الخرطوم ينبغي أن تكون عودة إلى مدينة جديدة في احتياجاتها، تحتاج إلى قراءة جديدة ورؤية أكثر قدرة على الاستجابة للمرحلة المقبلة.

ومن هنا أرى أن الخطوة التالية هي إعادة تشغيل الدولة.

أي أن تعود المؤسسات إلى مواقعها، وتستعيد ذاكرتها وملفاتها وقواعد بياناتها، وتنتظم عملية اتخاذ القرار، وتصبح العلاقة بين المركز والولايات والمحليات أكثر وضوحًا، وتتحول الخطط إلى برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة والقياس.

وهذا يقودنا إلى مسألة أوسع.

نحن بحاجة إلى مركز دولة قوي، ولكن في الوقت نفسه إلى إدارة أكثر كفاءة وتوازنًا للعلاقة بين المركز والولايات والمحليات.

فالدولة القوية هي التي تضع السياسات والمعايير الوطنية، وتنسق بين القطاعات والأقاليم، وتحافظ على المصالح العليا للدولة، وفي الوقت نفسه تمنح المستويات الولائية والمحلية مساحة حقيقية لإدارة شؤونها واتخاذ القرارات التنموية التي تقع ضمن اختصاصاتها.

لذلك، فإن عودة الدولة إلى العاصمة يمكن أن تكون فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين مستويات الحكم، وبناء منظومة أكثر وضوحًا في توزيع الصلاحيات والمسؤوليات والمساءلة.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: الذاكرة المؤسسية للدولة.

لقد علمتنا الحرب أن المباني يمكن إعادة تشييدها، لكن فقدان الذاكرة المؤسسية أكثر خطورة.

العقود والخرائط والدراسات والتقارير والملفات ليست مجرد أوراق إدارية؛ إنها جزء من ذاكرة الدولة وخبرتها المتراكمة. ولذلك فإن حماية الأرشيف، ورقمنة الوثائق، وبناء قواعد بيانات حديثة، ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من عملية إعادة تشغيل مؤسسات الدولة.

كما أن عودة الدولة إلى الخرطوم يجب أن تتزامن مع عودة التخطيط.

فالمدينة التي تعرضت لهذا الحجم من الصدمة لا يمكن أن تُدار فقط بالحلول اليومية. نحن بحاجة إلى فهم ما حدث للسكان، والخدمات، وشبكات الحركة، والاقتصاد، واستعمالات الأراضي، والبنية الأساسية، ثم بناء رؤية عمرانية جديدة للعاصمة تستجيب لواقع ما بعد الحرب.

وهنا يلتقي التعافي العمراني بإعادة بناء الدولة.

فالطريق الذي يعود للعمل، ومحطة المياه التي تستعيد تشغيلها، والمدرسة التي تفتح أبوابها، والمستشفى الذي يستعيد وظيفته، والسوق الذي يعود إليه التجار، ليست مشروعات منفصلة؛ إنها أجزاء من عملية واحدة هي إعادة تشغيل المدينة.

ومن هذه الزاوية، فإن عودة النشاط الرسمي إلى القصر الجمهوري تحمل أيضًا دلالة مهمة على مستوى العلاقات الخارجية.

فتسلم أوراق اعتماد السفراء في الخرطوم يبعث برسالة واضحة بأن العاصمة تستعيد تدريجيًا موقعها كمركز للعمل الرسمي والدبلوماسي، وأن السودان يمضي في استعادة حضوره المؤسسي الطبيعي.

والسودان يحتاج في مرحلة التعافي والإعمار إلى أشقائه وأصدقائه، وإلى التعاون الإقليمي والدولي، والاستفادة من الخبرات والموارد والشراكات.

لكن الشراكات تكون أكثر فاعلية عندما تدخل الدولة إليها وهي تعرف ماذا تريد، وما هي أولوياتها، وما هي مشروعاتها، وكيف ستدير هذه الشراكات، وكيف ستقيس نتائجها.

نحن بحاجة إلى العالم، نعم.

لكننا بحاجة قبل ذلك إلى أن نعرف ماذا نريد من العالم.

فالمرحلة المقبلة ينبغي أن تنقل السودان تدريجيًا من موقع متلقي المبادرات إلى موقع الشريك الذي يمتلك رؤيته ومشروعاته وأولوياته، ويستفيد من الدعم الخارجي ضمن رؤية وطنية واضحة.

وهنا أعود إلى القصر الجمهوري.

أعتقد أن أفضل قراءة لهذه العودة هي أن ننظر إليها باعتبارها إشارة إيجابية إلى بداية مرحلة جديدة.

عودة المؤسسات، نعم، ولكن بكفاءة أعلى.

عودة العاصمة، نعم، ولكن بمدينة أكثر أمانًا وتنظيمًا وقدرة على الصمود.

عودة المركز، نعم، ولكن ضمن علاقة أكثر توازنًا ووضوحًا مع الولايات والمحليات.

وإعادة الإعمار، نعم، ولكن ليس فقط لإعادة ما تهدم، وإنما لبناء ما تحتاجه الدولة والمدينة والمجتمع في المستقبل.

فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى أن تعود إليها الدولة، بل تحتاج إلى أن تعود الدولة إليها وهي أكثر قدرة على التعلم من تجربة الحرب، وأكثر استعدادًا لإعادة بناء مؤسساتها، وأكثر وعيًا بأن العمران ليس مجرد مبانٍ وطرق، وإنما أحد أهم أدوات بناء الدولة والاستقرار.

وعندما تتحول عودة المسؤولين إلى عودة فعلية للمؤسسات، وتتحول المكاتب إلى مراكز لإنتاج القرار، والخطط إلى مشروعات، والمشروعات إلى خدمات، والخدمات إلى حياة يومية مستقرة للمواطن، عندها تصبح الصورة التي رأيناها في القصر أكثر من مجرد صورة.

تصبح علامة على بداية مرحلة جديدة.

ومن هنا، فإن عودة القصر الجمهوري ليست نهاية رحلة، وإنما خطوة مهمة في طريق أطول:

من عودة الدولة إلى العاصمة، إلى إعادة بناء الدولة نفسها.

وهذه، في تقديري، هي المهمة التي ينبغي أن تبدأ الآن.

م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني

https://www.facebook.com/share/p/1DXY4qe81a
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات