الجمعة, أغسطس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتدار اللِبيِّض (6) ...

دار اللِبيِّض (6) كردفان رائدة الصحافة الإقليمية……. بقلم الأستاذ/ الغالي الزين حمدون..

كردفان الكبرى كانت تعد من أكبر الولايات في السودان قبل تقسيمها إلى ثلاثة و لايات “شمال و جنوب و غرب ” . حيث كانت تتوسط ولايات الشمال و الشرق و الجنوب و الغرب ، و تحدها ست ولايات و هي ولايات : الخرطوم ، و الشمالية ، و النيل الأبيض ، و شمال دارفور و شرق دارفور ، و بحر الغزال . و عاصمتها الأبيض…..
بعد التقسيم الولائي الجديد في التسعينيات احتفظت ولاية شمال كردفان بنفس بموقعها الوسطي و حدود كردفان الكبرى القديمة ما عدا حدودها مع دولة جنوب السودان التي فصلت بينها ولايتي جنوب و غرب كردفان….. صحيح أن فصل ولايتي جنوب وغرب كردفان شكل حاجزاً جغرافياً بين ولاية شمال كردفان و بحر الغزال . لكن ذلك الفاصل لم يفقدها ( عددياً ) واحداً من حدودها . فبقيت كما هي ستة حدود . كما أنها احتفظت بعاصمة الاقليم الرمزية في السابق مدينة الأبيض….. هذا الموقع الوسطي أكسب كردفان الكبرى (قديماً) ، و ولاية شمال كردفان ( الحالية ) ميزة جغرافية جعلت منها ملتقى طرق حديدية و برية و جوية . و هي ميزة إستراتيجية نادرة حفزت منظمات الأمم المتحدة لتوسيع مطار الأبيض و ترفيعه لمطار دولي و لوجستي لانطلاق المؤن و الإغاثة إلى جميع دول المنطقة الأفريقية منها خاصة ، و اتخذت من مدينة الأبيض مقراً لتخزين امداداتها و مؤنها……..
كما أن هذا الموقع و الملتقيات أضاف للولاية أبعاداً و ملتقيات أخرى ساهمت في تشكيل خارطة الاقليم اقتصادياً و مجتمعياً و ثقافياً…..
اقتصادياً تصدرت الولاية قائمة أكبر سوق لتجارة الصمغ العربي بالإضافة لتسويق و تصدير الحبوب الزيتية و الإبل و الماشية و الأغنام و ثروات معدنية و خيرات كثيرة . حتى رمالها تميزت بميزات دخلت مزاد السوق العالمي بلا منافس . لذلك أطلق عليها ” الغرا أم خيراً جوة و برَّا “…….
مجتمعياً تميزت بالترحاب و كرم الضيافة وقبول الآخر مما جعلها بوتقة انصهار مجتمعي محباً للسلام يسوده الود و الإحترام و حفظ حقوق الآخرين فأصبحت محطة جاذبة للعيش و التعايش السلمي يفد إليها كل من فقد الأمن أو ضاق عليه عيش أو سكن…….
ثقافياً امتزجت فيها ثقافات أثرت الساحة الثقافية و العلمية بعلماء و شعراء و كتاب و أدباء و فنانين و تشكيليين و مسرحيين لا تسع المساحة لذكرهم هنا . و قد تم تناولهم في مقالات شتى . لكني رغم ذلك سأفرد لهم مقالات خاصة لأن سير العلماء لا تموت بموت أحدهم ، و لا تتوقف بتوقف عجلة تاريخ…. فهؤلاء امتلكوا زمام المبادرات الثقافية على المستوي القومي و الإقليمي و العالمي . و عكسوا تراث كردفان في الداخل و الخارج عبر الفرق الفنية و المسرحية و الجمعيات الأدبية و الأغاني الكردفانية . و نقلوا هذا الأثر لدول الجوار و غيرها من دول العالم…..
و كانت فرقة فنون كردفان رائدة هذا التأثير ، كما أسهم من أبنائها الدكتور الفنان عبد القادر سالم و الموسيقار حافظ عبد الرحمن و غيرهم من عمالقة العلم و الفن و الأدب و المسرح الكردفاني في تصدير العلوم و التراث الكردفاني…..
من هذه المعطيات و الخلفيات الثقافية انطلقت من كردفان أول صحيفة إقليمية سنة ( ١٩٤٥م ) أسسها رجل المبادرات و رائد الصحافة الإقليمية الأستاذ الفاتح النور و هو علم من أعلام الصحافة ، و إن غاب عن الحياة لكن ظلت (سَارِيَتَه) مرفوعة ، و مبادراته حقائق ملموسة مثل جامعة كردفان و الحكم الإقليمي و عيد الشجرة التي رفع شعارها و كانت حلمه منذ الستينيات د….
كل هذه المبادرات انطلقت من نافذة جريدة كردفان التي كانت توزع في كل ولايات السودان بسعر ( قرشين ) فقط و كنت ممن يداومون على قراءتها ……استمر صدورها بمراحل مختلفة حتى منتصف التسعين من القرن الماضي . و كانت تصدر من ( دار كردفان للطباعة و النشر ) المملوكة لصاحبها الأستاذ الفاتح النور عليه رحمة الله . و كانت أول دار طباعة إقليمية في ذلك الوقت……
كانت صحيفة كردفان بسعرها الرمزي و صدورها المحلي في متناول اليد لكل فئات المجتمع من موظفين و تجار و عمال و حرفيين يتناولونها كما الخبز و يتداولونها من دكان إلى دكان و كشك إلى كشك و من مكتب إلى مكتب مما ترك بصمة ثقافية مميزة لإنسان كردفان ، و حفزته للقراءة و الإطلاع غرست فيه درجة كبيرة من حب القراءة و الوعي و الإدراك و التروي في اتخاذ القرارات . و من أثر هذا الوعي الثقافي كسب إنسان كردفان الإحترام والتقدير بين كل من عاشرهم في سفر أو عمل أو سكن . و الشخصية الكردفانية شخصية وسطية و مسامحة و متصالحة تتميز بالهدوء و اتخاذ القرار القاطع في الوقت المناسب غير أنها تبلغ أعلى درجات الحِدَّة في حالات الاستفزاز . كما أنها اشتهرت بالذوق و الإعتناء بالنظافة و المظهر. و من يعتني بالنظافة و المظهر يسمى (حريف) عندهم . لذلك أطلق على أهل كردفان لقب ” الكردافة الناس القيافة “….. ( قيافة و فايت الناس مسافة ) لا فخر ” وهذه مجرد دعابة” كما يقول الشاب الصحفي الكردفاني الحمري الكرسني (فتحي الكرسني) الذي اعتاد كتابة اسمه (فتحي ) مجرداً من الإضافة ، و لو اكتفى ب(الكرسني) لكفى و اغتنى عن التعريف ( دعابة ) . فعرفني عليه أخوة أعزاء و علمت أنه من أسرة الكرسني العريقة . و لي علاقات و صداقات مع بعض من أفرادها منهم الملحق الإداري بالملحقية العسكرية بالسفارة السودانية بليبيا المرحوم محمد الكرسني الذي وافته المنية هو و زوجته بحادث مؤسف في ليبيا ، و درست أبناءه و بناته بمدرسة الصداقة السودانية بطرابلس . كما عاصرت محمد الحسن الكرسني بالعراق…..
عفواً إذا جاء تعريفي بعائلة الكرسني في غير محلها لأن المقال مخصص لعنوان معين . لكن أبت نافلة القول إلا أن تتذيل عائلة الكرسني خاتمة القول !!…..
لم أقصد بهذا المقال البكاء على اللبن المسكوب ، و لا (تزكية) أهل كردفان و إقحامهم في القلوب ، غير أني نقلت قول غيري…..
و قولي (خطأٌ) يحتمل الصواب و قول غيري (صوابٌ) يحتمل الخطأ ……….
فإذا كانت كردفان رائدة الصحافة الإقليمية في وقت تقل _ إن لم نقل _ تنعدم فيه إمكانيات الطباعة و حداثة الأحهزة . فما المانع من عودة جريدة كردفان بثوبها (القيافة) الذي جذب عقول الناس ، و أثر في سلوك أهل كردفان و انتزعوا بجدارة لقب الكردافة الناس القيافة…..
واضح أن السودان بعد الحرب مقبلٌ على مرحلة تغيير في كل أنماط الحياة المجتمعية و السياسية . و لا بد لهذه التغيرات من مبادرات . ولا بد للمبادرات من اعلام مكثف لتسليط الأضواء عليها و الترويج لإنجاحها كما نجحت جريدة كردفان في الترويج لمبادرات جامعة كردفان في الستينيات ، و مبادرة الحكم المحلي ، و تشجير المدن ، و أعياد الشجرة التي ابتدرها الأستاذ الفاتح النور…….فما المانع من أحياء جريدة كردفان في وقت يمكن أن تتوفر فيه كل العوامل المساعدة لعودتها…..
أعيدوا جريدة كردفان….
كردفان أمان ….
و ستبقى رمزاً للسلام ، و قبلة للأمان……..

الأستاذ / الغالي الزين حمدون …..
اغسطس ٢٠٢٦/م ..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات