كوستي – انتصار فضل الله
لم يبدأ الوفد الإعلامي المركزي القادم من الخرطوم إلى ولاية النيل الأبيض يومه الأول من نافذة الاحتفالات أو من مكاتب المسؤولين، بل من محاولة قراءة ما وراء المشروعات والأرقام: كيف تدير ولاية تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين ضغوط المياه والكهرباء والطرق؟ وكيف تموّل إعادة البناء في ظل محدودية الموارد؟ وهل تتحول مشروعات البنية التحتية الجارية إلى قاعدة لاقتصاد ما بعد الحرب؟
على هذه الأسئلة تحرك الوفد، في أول أيام زيارته للولاية، بين مكاتب المسؤولين ، في برنامج جمع بين اللقاءات الصحفية والمعاينة الميدانية، وفتح ملفات التنمية والخدمات والاستثمار والتحول الرقمي، في محاولة لتكوين صورة أكثر اكتمالاً عن ولاية تحولت خلال الحرب إلى واحدة من مراكز الاستقرار والاستضافة والإنتاج.
وكانت البنية التحتية هي المحطة الأولى في برنامج الوفد، قبل أن ينتقل النقاش إلى ملفات الإدارة والموارد والاستثمار، في ولاية تحاول إدارة ضغوط الحرب بمواردها الذاتية، مع العمل في الوقت ذاته على تأسيس قاعدة اقتصادية لما بعد الحرب.
تمويل ذاتي
في مكتب الأمين العام لحكومة الولاية، بروفيسور صلاح محمد إبراهيم، برز ملف مختلف: التحول الرقمي، إلى جانب قضية تمويل التنمية والاعتماد على الموارد الذاتية.
وقال إبراهيم إن الولاية قطعت شوطاً في إدخال الأنظمة الإلكترونية إلى مؤسساتها، وإن اجتماعات الحكومة والمؤسسات أصبحت تُعقد عبر منصات إلكترونية مثل «غوغل ميت» و«زووم»، بما يقلل تكلفة الاجتماعات ويسرع التواصل بين المؤسسات والمحليات.
وأشار إلى توسع الولاية في التحصيل والسداد الإلكتروني، معتبراً أن ذلك ساعد في زيادة الإيرادات والحد من الاختلاسات والممارسات السالبة المرتبطة بالتعامل النقدي.
وبالنسبة لولاية تعتمد بدرجة كبيرة على مواردها الذاتية في تمويل التنمية، فإن التحصيل الإلكتروني لا يبدو مجرد تحديث إداري؛ بل أداة لتحسين قدرة الحكومة على جمع مواردها وتمويل خدماتها.
ووضع الأمين العام النقطة الأكثر حساسية على الطاولة بوضوح: التنمية تمضي بدرجة كبيرة من الإيرادات الذاتية للولاية.
وقال إن المحليات التسع تشهد مشروعات تنموية وخدمية، وإن حكومة الولاية تعمل على دعم الموسم الزراعي الصيفي والشتوي، ومعالجة المشكلات والنزاعات التي يمكن أن تعطل النشاط الزراعي.
وأعلن عن بدء العمل في تأهيل وسفلتة شارع بخت الرضا ، مؤكداً أن الولاية بذلت جهوداً لاستقطاب شركات لتنفيذ مشروعاتها، من بينها «زادنا العالمية».
وتأتي هذه السياسة في وقت تحاول فيه الولاية توسيع قاعدة الاستثمار وتنظيم الأراضي وطرح مناطق استثمارية وصناعية في كوستي وربك والكرامة، بما يجعل الأرض والبنية التحتية جزءاً من معادلة جذب رأس المال.
وشدد الأمين العام لحكومة الولاية على أهمية الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ونبذ الجهوية والقبلية وخطاب الكراهية، معتبراً أن التنمية والاستثمار لا يمكن أن يستقرا في بيئة مضطربة.
وهنا تلتقي السياسة بالتنمية بصورة مباشرة؛ فالمستثمر يحتاج إلى طرق ومياه وكهرباء، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى بيئة مستقرة يمكنه أن يخطط فيها لسنوات، لا لأيام.
بناء الاقتصاد
من الإدارة والموارد انتقل الوفد إلى ملف البنية التحتية، من خلال لقاء المهندس يوسف أحمد فضل المولى، المدير العام لوزارة البنية التحتية والتنمية العمرانية والوزير المكلف، الذي وضع أمام الصحفيين خريطة واسعة للمشروعات الجارية، من المياه والكهرباء والطرق إلى الطاقة الشمسية والتخطيط العمراني والاستثمار.
من بين الملفات التي لفتت انتباه الوفد مشروع إنشاء مطار مدني الجديد بجوار مطار كنانة العسكري، وهو مشروع تتعامل معه حكومة الولاية باعتباره أكثر من منشأة للنقل الجوي.
وقال فضل المولى إن إجراءات تسجيل الأرض واستخراج شهادة البحث بدأت، إلى جانب تسوية الأراضي الزراعية بالتنسيق مع هيئة الطيران المدني،
فيما تتابع فرق مختصة الإجراءات من مكاتب داخل المطار العسكري.
وتراهن الولاية على أن يمنح المطار الجديد دفعة للنشاط الاقتصادي، من خلال تسهيل حركة المستثمرين وربط الولاية بالمناطق الأخرى، مستفيدة من ثقلها الزراعي والإنتاجي.
لكن قيمة المشروع الاقتصادية، في نهاية المطاف، ستتوقف على قدرته على الاندماج في شبكة أوسع من الطرق والخدمات ومناطق الإنتاج والأسواق، وهي المعادلة التي تضعها الولاية في قلب خططها.
وأشار فضل المولى إلى تعويض أكثر من 50 محولاً كهربائياً تضررت بسبب الحرب، بسعات تتراوح بين 200 و300 كيلوفولت أمبير، إلى جانب مشروع يضم محولاً بسعة 1000 كيلوفولت أمبير وخطاً ناقلاً للضغط المنخفض.
كما تشمل تدخلات الولاية مشروعات للكهرباء في مرافق صحية وزراعية، في محاولة للحفاظ على الخدمات الأساسية في ظل آثار الحرب على الشبكة.
السوق والإنتاج
وفي ملف الطرق، بدا واضحاً أن الرهان ليس على تحسين مظهر المدن فقط، وإنما على فك الاختناقات أمام حركة الإنتاج.
فالولاية تعمل على تأهيل وسفلتة نحو 34 كيلومتراً في كوستي وربك، منها 18 كيلومتراً في كوستي و16 كيلومتراً في ربك، إلى جانب طرق داخلية وأخرى زراعية تربط مناطق الإنتاج بالأسواق.
وفي ربك اكتملت سفلتة الطريق الدائري بطول نحو 2.6 كيلومتر، فيما تتواصل الأعمال في طريق أمانة الحكومة بطول 2.4 كيلومتر، إلى جانب طريق المنطقة الصناعية بطول 1.8 كيلومتر وطريق الحلة الجديدة بنحو أربعة كيلومترات.
وتشمل الأعمال أيضاً شارع الدويم وطرقاً أخرى، فيما يجري العمل في طرق تربط مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني بمراكز الاستهلاك.
تحدي كبير
ومن بين الطرق الزراعية كوستي–الزليط والزليط–النعيم، إلى جانب تدخلات لمعالجة الحفر والتصدعات في الطريق القومي الخرطوم–ربك، تمهيداً لمعالجات أوسع.
عودة إلى الريف
لكن التحدي الأكبر الذي كشفت عنه الجولة لا يتعلق بالطرق والمياه والكهرباء وحدها، وإنما بإعادة ترتيب الخريطة السكانية التي فرضتها الحرب.
فالولاية استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين، ما زاد الضغط على المدن والخدمات، خصوصاً في محليتي السلام والجبلين.
وقال فضل المولى إن الوزارة تعمل على توفير مخططات للسكن الاضطراري برسوم ميسرة للشرائح الضعيفة، بهدف الحد من السكن العشوائي وتنظيم التوسع العمراني.
أما الرهان الأطول مدى، فيتمثل في «الهجرة العكسية»؛ أي إعادة توفير الخدمات الأساسية في الريف بما يسمح للسكان بالعودة إلى مناطقهم والمشاركة في الإنتاج، بدلاً من استمرار الضغط على المدن.
الاستثمار والأراضي
وتفتح الولاية في الوقت ذاته ملف الاستثمار والأراضي، من خلال طرح أراضٍ استثمارية وفق قانون الاستثمار، وإنشاء مناطق صناعية في الكرامة وربك وكوستي، مع استمرار أعمال الرفع المساحي وإجازة المخططات.
وتشمل المشروعات الإنشائية بورصة ربك، ومباني التحصيل الإلكتروني، والمطبعة، والمدينة الطبية بربك، إلى جانب الميناء البري في كوستي وفندق للضيافة بالشراكة مع شركة صينية.
كما تمتلك الولاية، بحسب المسؤولين، موارد في المحاجر والرمال والذهب والنحاس، خصوصاً بمنطقة جبل المقينص على الحدود مع جنوب كردفان، مع إنشاء إدارة لتنظيم التعدين التقليدي والحفاظ على موارد الدولة.
المياه أولاً
من ملف البنية التحتية انتقل النقاش إلى المياه، باعتبارها أحد أكثر القطاعات التصاقاً بالحياة اليومية، خصوصاً في ظل الضغوط التي فرضتها الحرب وتزايد أعداد السكان.
وقال المهندس أكرم الجزولي، مدير إدارة البنية التحتية بولاية النيل الأبيض، إن الولاية نفذت نحو 100 منظومة ومشروع للطاقة الشمسية خلال الأشهر العشرة الماضية.
وأوضح أن المشروعات استهدفت المؤسسات الحكومية ذات التعامل المباشر مع المواطنين، إلى جانب المستشفيات والمرافق الحيوية ومحطات المياه الريفية.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتقليل اعتماد الخدمات الأساسية على شبكة كهربائية تأثرت بالحرب، خصوصاً في المناطق التي يصعب فيها ضمان إمداد مستقر.
ولا تقدم الولاية الطاقة الشمسية باعتبارها بديلاً تقنياً فحسب، بل كوسيلة لحماية الخدمات الأساسية من اضطراب الكهرباء.
ضغط الحرب
لكن وراء هذه المشروعات تقف فاتورة الحرب.
فالنيل الأبيض لم تكن فقط ولاية تنفذ مشروعات جديدة؛ بل تحولت إلى منطقة استقبال للنازحين واللاجئين والوافدين، ما رفع الضغط على المياه والكهرباء والصحة والتعليم والسكن، خصوصاً في محليتي السلام والجبلين.
وفي قطاع المياه قال مدير الإدارة العامة لمشروعات مياه الشرب، السماني الفاضل، إن إدارة مياه الشرب فرغت من تنفيذ 17 مشروعاً لخدمات المياه بنسبة إنجاز 100% في مختلف محليات الولاية، ضمن جهود تحسين الإمداد المائي والتعامل مع آثار الحرب وتذبذب الأسعار.
اعمال ضخ تجريبي
وفي ربك، بدأت أعمال الضخ التجريبي بمحطة المياه تمهيداً للتشغيل الكامل، بعد فسخ العقد مع المقاول السابق نتيجة التعثر وأعمال الحرب، قبل أن تتولى الإدارة تنفيذ الأعمال الميكانيكية والكهربائية بصورة مباشرة.
وشملت المشروعات حفر حفائر وإنشاء خطوط ناقلة للمياه في محليات تندلتي وقلي والسلام وكوستي وربك، بهدف خدمة المناطق البعيدة عن نهر النيل والتي تفتقر إلى الآبار.
وكشف الفاضل عن مشروعات جديدة يجري الإعداد لها، بينها خطوط ناقلة للمياه في منطقة «روضة المختار» بمحلية قلي، ومنطقة «نوري» بمحلية الجبلين، إلى جانب مشروعات مرتقبة بتمويل من البنك الأفريقي للتنمية.
وفي تندلتي، دفعت الإدارة بثلاثة مولدات كهربائية عالية السعة لمعالجة شح المياه الناجم عن سقوط أبراج الكهرباء بمنطقة «منصورة»، بما يضمن استمرار تشغيل مرافق المياه ومحاولة فصل خدمة المياه عن تقلبات الشبكة الكهربائية.
كما تم حصر الأضرار التي لحقت بقطاعات المياه والكهرباء والصحة والتعليم في المناطق الأكثر تضرراً من الحرب، ومنها القطينة وأم رمتة والجبلين، تمهيداً لإعادة تأهيلها.
الشمس في الخدمة
وفي مواجهة تحديات الكهرباء، اختارت الولاية أن توسع الاعتماد على الطاقة الشمسية.
يوم في صورة
مع نهاية اليوم الأول، كان الوفد قد انتقل بين ملفات تبدو متفرقة في ظاهرها، لكنها ترتبط بخيط اقتصادي واحد: كيف يمكن لولاية خرجت من سنوات الحرب وهي تحمل عبء الاستضافة أن تحول مواردها المحدودة إلى بنية تحتية قادرة على إنتاج النمو؟
من محطة المياه إلى منظومة الطاقة الشمسية، ومن الطريق الزراعي إلى المطار المرتقب، ومن التحصيل الإلكتروني إلى الأراضي الاستثمارية، بدت النيل الأبيض وهي تحاول الانتقال من منطق معالجة الأعطال اليومية إلى بناء منظومة أكثر اتساعاً.
فخلف كل طريق يجري تأهيله محاولة لربط الإنتاج بالسوق، وخلف كل محطة مياه بحث عن استقرار مدينة تستقبل مزيداً من السكان، وخلف كل منظومة شمسية محاولة لتعويض شبكة أنهكتها الحرب، بينما يحاول الاستثمار أن يجد لنفسه مساحة في ولاية تراهن على مواردها وإيراداتها المحلية.
وأنهى الوفد الإعلامي المركزي يومه الأول بعد سلسلة اللقاءات والجولات، محملاً بصورة أولية لا تختزلها أرقام المشروعات وحدها؛ فالنيل الأبيض لا تعيد بناء طرقها ومياهها وكهربائها فقط، وإنما تحاول إعادة تعريف موقعها الاقتصادي في السودان بعد الحرب.
وكان ذلك اليوم الأول مجرد بداية؛ فالوفد يواصل في الأيام التالية جولاته ولقاءاته للوقوف على ملفات الاستثمار والاقتصاد والخدمات والأوضاع المجتمعية، قبل أن يختتم برنامجه بلقاء والي النيل الأبيض، في محاولة للاقتراب أكثر من السؤال الأكبر: هل تستطيع النيل الأبيض تحويل ضغوط الحرب إلى قاعدة لانطلاقة اقتصادية جديدة؟
