السبت, أغسطس 15, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة صمود… الضمانة من البرهان لكن البعفيني من سؤال خالتي التومة وناس الحِلّة منو

يحكى أن رجلاً ظل سنوات طويلة يعيش بعيداً عن الحِلّة ويكيد لأهلها ، لا يأتيها إلا محمولاً على عربة ضيفٍ أو في معية غريب ، وكلما جاء السؤال عنه رد اهل الحلة دا ولدنا ، لكن متنكر لينا ، وفي يوم اشتد الخلاف في الحِلّة التي يسكنها ، أرسل إليه البعض مكتوبًا مفاده تعال يا زول ، الباب فاتح والبيت بيتك ، وتعال اقعد معانا ونحل مشكلتنا معاك بأيدينا ، فرد الرجل من بعيد أنا موافق … لكن رسلوا لي أولاً ضمان من التومة خالتي ومن أهل الحِلّة مايسألوني خالتي التوم دم ولدها في رقبتي ، وناس الحلة وقفت مع الغريب ضدهم ، فأرسل اليه شيخ الحِلّة الضمان موجود ، لكن السؤال ما عندنا نحن ، السؤال عند خالتك التومة و ناس الحلة ، وهنا مربط الفرس فالمشكلة ليست دائماً في أن يُفتح لك الباب ، وإنما في أن تستطيع الدخول منه ، وليس كل من امتلك ضماناً للعودة امتلك بالضرورة القدرة على مواجهة أهل الدار ، وهذه الحكاية في تقديري ، تشبه إلى حد كبير موقف صمود اليوم .

حين وجّه الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان دعوته إلى الحوار ، لم تكن الرسالة موجهة إلى السياسيين بوصفهم مجرد أسماء على طاولة تفاوض ، وإنما إلى قوى سودانية يفترض أن تكون قادرة على العودة إلى الداخل ومواجهة أسئلة الشعب قبل مواجهة أسئلة السياسة ، وهنا تحديداً تبرز معضلة صمود ، قد تكون دعوة البرهان مفتوحة للجميع ، وقد تكون الضمانات السياسية والقانونية كافية من الناحية النظرية لتهيئة مناخ الحوار ، لكن السؤال الذي يتجاوز نصوص الضمانات هو ، هل تستطيع قيادات صمود أن تطأ أرض السودان وتجلس أمام شعب ظل طوال الحرب يدفع ثمن مواقفهم السياسية؟ ، المسألة هنا ليست في الخوف من الإجراءات القانونية وحدها ، ولا في الضمانات التي يمكن أن تقدمها الدولة ، وإنما في رد فعل الشارع السوداني ، وفي الجرح العميق الذي خلفته الحرب في نفوس ملايين السودانيين.

فمن اعتاد أن يتحرك محمولاً على أكتاف الخارج ، قد يجد صعوبة حين يُطلب منه أن يمشي على أرض الوطن ، السياسة في النهاية ليست بيانات تصدر من العواصم ، ولا مؤتمرات تعقد بعيداً عن هموم الناس ، السياسة مسؤولية أمام الشعب ، والشعب السوداني عاش الحرب بكل تفاصيلها قتل ونزوح وتشريد ، وانتهاك للبيوت والحرمات ، وفقدان للأبناء والأقارب والممتلكات.
ولهذا فإن السؤال الذي ستواجهه به صمود ليس هل قبلتم دعوة البرهان؟ ، السؤال الأصعب هو ماذا ستقولون للشعب السوداني عندما تلتقون به وجهاً لوجه؟ ، ماذا ستقولون للنازح الذي ترك منزله؟ ، وللأسرة التي فقدت عزيزاً اوفقدت جملة من الأعزاء ؟ ، ولمن شاهد مدينته تُنهب وتُدمّر؟ ، وللمواطن الذي عاش الخوف والجوع والإذلال؟ ، امام هذه الأسئلة تسقط كل الحسابات النظرية ، فحتى إذا قبلت صمود الدعوة ، فإن القبول وحده لا يعني أن الطريق إلى السودان أصبح معبدًا سياسياً وشعبياً ، هناك فارق كبير بين أن تملك ضمانة قانونية للحضور ، وأن تمتلك القبول الشعبي بالحضور ، وهذه هي النقطة التي ربما يدركها أعضاء صمود أكثر من غيرهم ، فالعودة إلى السودان ليست مجرد رحلة جوية أو عبور للحدود ، إنها عودة إلى مجتمع يحمل ذاكرة مثلقة بالألم ، وإلى شارع يرى أن مواقف القوى السياسية خلال الحرب لا يمكن فصلها عن نتائجها.
لقد اختارت صمود موقفاً سياسياً يشبه توجهها في الحرب ، بحسب ما هو معلن عن مواقفها وتحالفاتها ، وأثارت تلك المواقف غضب قطاعات واسعة من السودانيين الذين رأوا فيها اصطفافاً كاملًا مع المليشيا ، وهنا تصبح دعوة البرهان اختباراً حقيقياً ، إذا كانت صمود ترى أنها كانت على حق ، فالحوار هو المكان الطبيعي لتقديم حجتها أمام السودانيين وفي ارضهم ، أما إذا كانت ترى أن المجتمع لن يتقبلها ، فإن المشكلة ليست في دعوة البرهان ، وإنما في المسافة التي نشأت بينها وبين الشعب.

من اعتاد أن يأكل من فتات موائد الخارج ، قد يكتشف أن مائدة الوطن لا تُفتح إلا لمن يحمل همّه ، لا لمن يبحث عن موقعه فوق عنق المواطن ، لكن السودان لا يحتاج إلى إقصاء دائم ، كما لا يحتاج إلى تسويات تزيل ما بالنفس من وجع ، يحتاج إلى معادلة أكثر صعوبة ونضجاً ، حوار بلا انتقام ، وعدالة بلا انتقائية ، ومصالحة لا تساوي بين الضحية والجاني ، لذلك فإن دعوة البرهان في جوهرها ، قد تكون أكبر من مجرد دعوة إلى الجلوس ،
إنها دعوة إلى العودة إلى الداخل ، والعودة إلى الداخل تعني مواجهة الشعب قبل مواجهة السياسيين ، وهذا ما ينقص صمود ،
قد تُمنح الحصانة القانونية للمشارك في الحوار ، لكن لا توجد حصانة سياسية من ذاكرة الناس ، ولا قرار يستطيع أن يمنح أحداً حصانة من المسائلة الشعبية ،
فمن أراد أن يحكم السودان أو يشارك في صياغة مستقبله ، عليه أولاً أن يستطيع الوقوف أمام شعبه.
وهنا سيبقى السؤال مفتوحاً أمام صمود ، هل تستطيعون العودة إلى السودان ومواجهة الشعب الذي تقولون إنكم تمثلونه… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات