ثلاثة أعوام من الحرب كانت كافية لأن تجعل صورة القصر الجمهوري في الخرطوم تختزن في الذاكرة السودانية أكثر من مجرد مبنى سيادي؛ كان القصر عنواناً للعاصمة، ورمزاً للدولة، ومشهداً من مشاهد حضور السلطة الوطنية في قلب السودان.
واليوم، تعود الصورة.
وصول رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، إلى القصر الجمهوري لاعتماد عدد من السفراء الجدد، عقب عودة الحكومة لمباشرة أعمالها من الخرطوم، ليس خبراً بروتوكولياً عابراً، ولا مناسبة إجرائية تتصل باعتماد السفراء فحسب؛ إنه مشهد سياسي شديد الدلالة، يقرأ في سياق التحولات الكبيرة التي شهدها السودان خلال سنوات الحرب، وفي ضوء الانتصارات والتقدم الميداني الذي مهّد الطريق أمام عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة.
إنها، في جوهرها، عودة الدولة إلى مركزها الطبيعي.
من الخرطوم إلى الخرطوم.. دورة الحرب تقترب من نهايتها
لم تغادر الحكومة الخرطوم اختياراً، ولم يكن انتقال مؤسسات الدولة إلى خارج العاصمة تعبيراً عن تغيير في مركز الدولة أو شرعيتها، وإنما فرضته ظروف الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.
ولهذا فإن عودة الحكومة إلى الخرطوم تحمل معنى يتجاوز المكان.
فالمؤسسات التي عادت إلى العاصمة تحمل معها رسالة واضحة: الدولة باقية، ومؤسساتها مستمرة، وعاصمتها تستعيد وظائفها السيادية والإدارية والسياسية.
والأكثر أهمية أن هذه العودة لم تأتِ في فراغ سياسي أو أمني، وإنما جاءت بعد سلسلة من التحولات والانتصارات التي أعادت رسم المشهد السوداني، وفتحت الطريق أمام استعادة العاصمة ومؤسساتها تدريجياً.
ومن هنا تصبح صورة البرهان داخل القصر الجمهوري صورة تختصر مرحلة كاملة من الحرب.
فالرجل الذي كان يقود الدولة من خارج العاصمة خلال سنوات الحرب، يعود اليوم إلى أحد أهم رموز السيادة الوطنية لممارسة اختصاصاته الرئاسية.
المشهد يقول بوضوح: الخرطوم تعود، والدولة تعود معها.
اعتماد السفراء.. عودة السودان إلى مخاطبة العالم من قلب العاصمة
اختيار مراسم اعتماد السفراء لتكون من أوائل المهام الرئاسية في القصر الجمهوري يحمل دلالة إضافية.
فالسفراء هم واجهة السودان في الخارج، واعتمادهم إجراء سيادي يمثل استمرار الدولة في ممارسة علاقاتها الدولية.
وعندما تتم هذه المراسم من القصر الجمهوري في الخرطوم، فإن الرسالة لا تتجه إلى الداخل وحده، وإنما إلى الخارج أيضاً.
السودان الذي واجه حرباً مدمرة، واستمراره في العمل الدبلوماسي، وعودة مؤسساته إلى العاصمة، يقول للمجتمع الدولي إن الدولة السودانية استعادت قدراً متزايداً من قدرتها على إدارة مؤسساتها وممارسة وظائفها السيادية.
وهنا تكمن أهمية المشهد الدبلوماسي.
فالخرطوم لا تستعيد المباني فقط، وإنما تستعيد وظائف العاصمة.
التوقيت.. انتصارات واحتفال بالجيش
الأكثر دلالة أن هذه العودة تأتي في أجواء الاحتفال بالذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش السوداني، الذي يصادف هذا العام الرابع عشر من أغسطس. وقد ربطت القوات المسلحة نفسها الاحتفال بهذه الذكرى بمعاني الصمود والانتصارات والتلاحم بين الجيش والشعب.
وهنا يصبح التوقيت جزءاً من الرسالة.
فالجيش الذي خاض معركة الدفاع عن الدولة خلال أكثر من ثلاثة أعوام، يأتي عيده هذا العام فيما تستعيد مؤسسات الدولة مواقعها، وتعود الحكومة إلى العاصمة، ويعود رئيس مجلس السيادة إلى القصر الجمهوري لأداء مهامه.
إنها صورة تختصر علاقة لا يمكن فصلها بين بقاء الدولة وبقاء مؤسساتها وبين المؤسسة العسكرية التي خاضت معركة الدفاع عنها.
ومن هنا فإن عيد الجيش هذا العام لا يأتي بوصفه مناسبة احتفالية فقط، وإنما يأتي في لحظة سياسية وعسكرية مختلفة؛ لحظة تشهد انتقال السودان من مرحلة الدفاع عن وجود الدولة ومؤسساتها إلى مرحلة استعادة وظائفها وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وبين عيد الجيش والمولد النبوي.. دلالات تتجاوز المصادفة الزمنية
يزداد المشهد عمقاً مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، التي تشير الحسابات الفلكية إلى أنها توافق 25 أغسطس 2026، بعد أيام قليلة من عيد الجيش، مع انتظار التحديد الرسمي وفق الرؤية الشرعية.
وفي الوعي السوداني، لا تنفصل المناسبات الوطنية عن القيم الدينية والاجتماعية التي تشكل وجدان المجتمع.
وعندما يتجاور هذا العام عيد الجيش مع ذكرى المولد النبوي، فإن المشهد يتيح قراءة وطنية وأخلاقية مهمة: القوة لا تكتمل إلا بالمسؤولية، والانتصار لا تكتمل قيمته إلا بحماية الإنسان وصون كرامته وإعادة بناء الوطن.
فالسيرة النبوية تقدم نموذجاً في بناء المجتمع، وإقامة العدل، وحماية الناس، وتأليف القلوب، بينما يمثل الجيش في الدولة الحديثة مؤسسة حماية السيادة والأمن والاستقرار.
والرسالة التي ينبغي أن تخرج من هذا التلاقي الزمني هي أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة الاحتفال بالانتصار وحده، وإنما مرحلة تحويل الانتصار إلى استقرار، والاستقرار إلى إعمار، والإعمار إلى دولة قوية وعادلة وآمنة.
خمس رسائل تحملها العودة
أولاً: رسالة سيادة
العودة إلى القصر الجمهوري تؤكد أن الخرطوم هي مركز الدولة وعاصمتها السياسية، وأن مؤسسات الدولة تستعيد حضورها الطبيعي فيها.
ثانياً: رسالة انتصار
التوقيت بعد التحولات العسكرية الكبيرة يجعل العودة واحدة من ثمار صمود القوات المسلحة والقوات المساندة لها والشعب السوداني طوال سنوات الحرب.
ثالثاً: رسالة طمأنة
عودة الحكومة تعني أن الخرطوم تدخل مرحلة جديدة عنوانها استعادة الخدمات والمؤسسات والحياة المدنية، مهما كانت التحديات التي لا تزال قائمة.
رابعاً: رسالة إلى الخارج
اعتماد السفراء من القصر الجمهوري يقول إن السودان يعيد ترتيب حضوره الخارجي من موقع الدولة ومؤسساتها وعاصمتها.
خامساً: رسالة إلى المستقبل
الأهم أن العودة يجب ألا تكون نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة: مرحلة إعادة الإعمار، وإعادة النازحين والمهجرين، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي، وبناء دولة ما بعد الحرب.
القصر الذي يعود إليه السودان
القصر الجمهوري ليس مجرد جدران وأبواب ومكاتب.
إنه أحد رموز الدولة السودانية.
ولهذا فإن دخول رئيس مجلس السيادة إليه بعد ثلاثة أعوام من الحرب يحمل شحنة رمزية كبيرة. فالصورة التي وصلت إلى السودانيين اليوم تقول إن الزمن الذي كانت فيه الدولة تدير شؤونها من خارج الخرطوم كان زمناً استثنائياً فرضته الحرب، وإن المسار الطبيعي بدأ يستعيد نفسه.
لكن الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد المباني التي تعود إليها الحكومة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه العودة إلى دولة تعمل، وخدمات تصل، وأمن يستتب، ومواطن يعود إلى منزله، ومدرسة تفتح أبوابها، ومستشفى يستعيد دوره، وطريق يعاد تأهيله، واقتصاد يبدأ دورة جديدة.
وهنا بالضبط تبدأ مسؤولية ما بعد الانتصار.
لقد كان استرداد العاصمة هدفاً عسكرياً وسياسياً، أما إعادة الحياة إليها فهي المهمة الوطنية الأكبر.
الخرطوم.. من عاصمة الحرب إلى عاصمة السلام
السودان اليوم أمام لحظة فاصلة.
فالعودة إلى القصر يجب أن تكون عنواناً لعودة أوسع: عودة المؤسسات، وعودة القانون، وعودة الخدمات، وعودة المواطن، وعودة الاستثمار، وعودة الحياة الطبيعية.
وإذا كان الجيش قد خاض معركة حماية الدولة، فإن معركة المرحلة القادمة هي بناء الدولة.
وهذه معركة لا تقل أهمية عن معركة الميدان.
فالسوداني الذي صمد ثلاث سنوات وهو ينتظر استعادة عاصمته، ينتظر الآن أن يرى ثمار تلك التضحيات في حياته اليومية.
وفي هذه اللحظة، تتقاطع رمزية عيد الجيش مع قيم المولد النبوي في معنى واحد: حماية الوطن وبناء الإنسان وصيانة الكرامة وإعلاء قيمة السلام.
إن عودة البرهان إلى القصر الجمهوري بعد ثلاثة أعوام ليست مجرد صورة من صور عودة المسؤولين إلى مكاتبهم؛ إنها صورة لمرحلة جديدة في تاريخ السودان.
مرحلة تقول إن الدولة التي صمدت في وجه الحرب قادرة على أن تستعيد عافيتها.
وأن الخرطوم التي تحملت وجع الحرب قادرة على أن تستعيد نبضها.
وأن السودان الذي دفع ثمناً باهظاً من الدم والدموع، يستحق أن يدخل مرحلة جديدة عنوانها:
النصر.. ثم السلام.. ثم الإعمار.. ثم بناء الدولة.
وهنا فقط تكتمل قيمة العودة.
مصطفى بشير عيسى
أبعاد
