السبت, أغسطس 8, 2026
الرئيسيةمقالاتفي محراب الانفصام الأخلاقي: حين تنفصل الشعيرة عن الضمير ...

في محراب الانفصام الأخلاقي: حين تنفصل الشعيرة عن الضمير د. الهادي عبدالله أبوضفائر

من أخطر الأزمات التي تصيب المجتمع أن يكثر فيها التدين الشكلي، وتتآكل منظومتها الأخلاقية من الداخل. فالأمم لا تنهار حين تضعف طقوسها، وإنما حين تنفصل القيم عن السلوك ويغدو الدين شعاراً للهوية أكثر منه منهجاً لإعمار الإنسان والحياة.

لقد اعتدنا زمناً طويلاً أن نقيس التدين بما تراه الأبصار لا بما تثمره الضمائر، وبعدد المصلين لا بمقدار العدل وبحسن التلاوة لا بحسن المعاملة وبطول القيام لا باستقامة الاخلاق. ومع مرور الزمن ترسخت معادلة مقلوبة صار الإنسان يُقيَّم بما يؤديه من شعائر، لا بما يتركه من أثر في حياة الناس.

غير أن القرآن لم يقدم العبادة بهذا التصور المختزل. فالصلاة في الرؤية القرآنية ليست فاصلاً زمنياً يبدأ بالتكبير وينتهي بالتسليم، وإنما مشروع دائم لإعادة تشكيل الإنسان. وعملية يومية لإعادة بناء الوعي وتحرير النفس من عبودية الهوى ونقل مركز الثقل من الأنا المحدودة إلى الحق المطلق، حتى تصبح القيم هي التي تقود المصالح وتعيد تشكيل السلوك.

السؤال: ليس هل صلى الإنسان؟ وإنما ماذا صنعت الصلاة بالإنسان؟ فالعبادة التي لا تغير طريقة التفكير ولا تهذب اللسان ولا تكف اليد عن الظلم لم تبلغ غايتها مهما بلغت دقتها الفقهية. ولهذا جاء القرآن حاسماً حين ربط الصلاة بأثرها الأخلاقي قبل صورتها الظاهرة (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ).

الانفصال الأخلاقي هو الحالة التي يفصل فيها الإنسان بين ما يؤمن به وما يمارسه، فينشئ داخله جداراً يعزل الضمير عن القيم حتى يصبح قادراً على تبرير الظلم والفساد دون شعور بالذنب وهو مطمئن إلى صورةٍ ذهنية رسمها لنفسه بوصفه رجلاً صالحاً.

المشكلة ليست في الخطأ لأنها جزء من الطبيعة البشرية، وإنما في تحول العبادة إلى وسيلة لتخدير الضمير بدلاً من إيقاظه، وإلى ستار يختبئ خلفه الخطأ بدلاً من أن يكون سلماً لمراجعته وتصحيحه. عندئذ تصبح العبادة عادة بلا أثر وحركة بلا تحول وشعيرة بلا ضمير.

السهو ليس نسيان ركعة أو تعثر في أداء الشعيرة بل أن تؤدي الصلاة كاملة وتغيب روحها. يحضر الجسد في المحراب، ويغيب العقل عن الحكمة، وينفصل القلب عن قيم العدل والرحمة، فيخرج الإنسان من صلاته كما دخلها لم تزداد امانته ولم يتحسن خلقه ولم يتغير أثره في حياة الناس. فهم الذين عن صلاتهم ساهون.

فالظالم لا يظلم لأنه يجهل النصوص وإنما لأنه نجح في بناء منظومة تبرر له التناقض بين القول والممارسة. يقرأ آيات الرحمة ثم يقسو على الضعفاء. ويتلو آيات الأمانة ثم يعتدي على المال العام. ويستمع كل يوم إلى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، ثم يغادر المسجد ليصنع نقيضها في المكتب، السوق، المحكمة أو في مؤسسات الدولة.

وهنا لا يعود الانفصال الأخلاقي أزمة فرد، بل يتحول إلى ثقافة عامة ثم إلى بنية اجتماعية، ثم إلى نظام مؤسسي يعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل. وحين تبلغ المجتمعات هذه المرحلة، تصبح القوانين عاجزة عن ضبط السلوك، لأن الأزمة لم تعد في النصوص وإنما في الضمير الذي ينفذها.

ولعل أصدق مقياس للقيم هو طريقة التعامل مع الضعفاء، فالقرآن لم يأتِ بطقوس جديدة وإنما بثورة أخلاقية جعلت الكرامة الوجودية للإنسان أصلاً لا يُمس. ولذلك لم يكن تكريم المرأة تشريعاً، وإنما إعلاناً بأن التقوى لا تجتمع مع امتهان الكرامة أو انتقاص الحقوق.

فما قيمة صلاةٍ يطيل صاحبها الوقوف بين يدي الله، ثم يسلب المرأةً حقها أو يهين كرامتها باسم تأويلٍ يجافي مقاصد الشريعة؟ وما جدوى عبادةٍ لا تنصف الضعيف ولا تكفُّ القوي عن الظلم؟ العدل لا يتجزأ، فالعبادة التي لا تنصف الإنسان ولا تصون حق الفقير قبل الغني ولا تحفظ المال العام تظل ناقصة الأثر مهما استوفت شروطها الشكلية.

فالمدخل الأعمق لفهم أزماتنا ليس غياب الخطاب الديني ولا نقص الشعارات، بل اتساع الفجوة بين ما نؤمن به وما نمارسه. رفعنا راية العدل ومارسنا الظلم وتحدثنا عن الأمانة واستبحنا المال العام وتغنينا بالوحدة ورسّخنا الإقصاء. اذن أزمتنا، أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة سياسة أو اقتصاد أو سلاح.

فإعادة بناء الوطن لا تبدأ بالإسمنت قبل الإنسان ولا بالموازنة قبل ترسيخ المنظومة القيمية ولا بإعمار المدن قبل إحياء الضمير. فالدول لا تُبنى بالقوانين وإنما بالإنسان الذي يجعل القانون التزاماً أخلاقياً نابعاً من داخله قبل أن يكون أمراً مفروضاً عليه من خارجه.

إن الإصلاح يبدأ بإعادة وصل ما انفصل، حيث تصبح العبادة منبعاً للأخلاق ودور العبادة مدرسةً لبناء الإنسان والمواطنة قبل أن تكون مكاناً للشعائر. وأن تُربّى الأجيال على أن التقوى ليست مظهراً يُرى وإنما سلوكاً يُمارس في النزاهة، صون الحقوق، الوفاء بالعهد، حفظ المال العام، الرحمة بالضعفاء، والعدل مع المخالف قبل الموافق.

وبناء المؤسسات على أسس الشفافية والمساءلة وسيادة القانون ليس خياراً إدارياً، بل ضرورة أخلاقية لأن المؤسسة العادلة هي التجسيد العملي للقيم التي يدعو إليها الدين. فكل إصلاح لا يجمع بين تهذيب الضمير وإصلاح المؤسسات سيظل أسيراً للدائرة التي أنهكت الوطن لعقود.

فالقرآن لم ينزل ليكون أصواتاً تتردد بين الجدران، بل ليصبح واقعاً حيّاً بين الناس؛ عدلاً في القضاء، ورحمة في الأسرة، وأمانة في الوظيفة، وإنصافاً في السياسة، وصدقاً في الاقتصاد، وكرامةً تصون الإنسان.

الامتحان للإيمان لا يبدأ عند تكبيرة الإحرام بل عند الخروج إلى ميادين الحياة في الأسواق، المؤسسات، الجامعات، الطرقات ومجالس الحكم. هناك يُعرف أثرها ويُقاس صدق الإيمان بقدرته على صناعة إنسان يكون ضميره رقيبه قبل القانون.

إذا استعادت الشعيرة رسالتها الأخلاقية واستعاد الضمير سلطته على السلوك واستعادت المؤسسات ميزان العدالة، يمكن للوطن التحرر من دائرة إعادة إنتاج أزماته، وينطلق نحو دولة يكون فيها الدين قوةً لتحرير الإنسان من الظلم لا غطاءً لتبريره، ومنهجاً لإحياء الضمير لا لتعطيله. عندها يتغيّر الفرد فيتغيّر المجتمع وينهض الوطن.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات