الخميس, أغسطس 6, 2026
الرئيسيةمقالاتحيتان النحاس.. من أكل أعصاب الخرطوم وهربها عبر الموانئ؟ ...

حيتان النحاس.. من أكل أعصاب الخرطوم وهربها عبر الموانئ؟ بقلم: حمد يوسف حمد


لم تكن الخرطوم مجرد عاصمة استبيحت، بل كانت منجماً فوق الأرض. كل من يتابع تفاصيل المشهد يعلم تماماً أن شبكات الكهرباء ومحولات الطاقة وكابلات الاتصالات ومصانع جياد وأحشاء المنازل تم تفكيكها ونهبها جزيئاً جزيئاً، فلم يتركوا خيطاً من النحاس إلا واقتلعوه. لكن الصدمة الحقيقية التي تثقب العقل ليست في من سرق، بل في من هرب، وكيف تحولت هذه الجريمة من سرقة منازل إلى تجارة عابرة للحدود تدار بدم بارد.
إن النحاس ليس بضعة جرامات من الذهب تخبأ في طيات الثياب، ولا مخدرات تهرب في حقيبة يد. نحن نتحدث عن أطنان ثقيلة، وشاحنات ضخمة، وحاويات عملاقة تتطلب أساطيل نقل ورافعات زينة لتتحرك. خروج هذه الكميات الخرافية جهاراً نهاراً عبر المعابر البرية أو عبر أرصفة الموانئ البحرية يطرح أسئلة حارقة تتجاوز حدود الغفلة لتلامس منطقة الشبهات المفتوحة. كيف عبرت هذه الحاويات كل نقاط التفتيش، ومن منحها شهادات المنشأ وأختام الصادر، وأي ساحر استطاع أن يعمي أجهزة الفحص والأشعة في الموانئ والمعابر عن أطنان من النحاس الأحمر؟
هذه ليست نغمة اتهام مرسلة، بل استحقاق وطن ينهب جهاراً نهاراً. ولأن القانون والشفافية هما الملاذ الأخير، فإننا نضع هذه الأسئلة الشائكة أمام القيادات التنفيذية والأمنية في البلاد. نسأل مدير عام الشرطة ومدير الجمارك عن طبيعة الرقابة وما إذا كانت تقنيات التهريب قد تفوقت على أجهزة الدولة أم أن هناك اختراقات تحتاج لتطهير عاجل. ونسأل جهاز المخابرات العامة عن غياب العيون الساهرة عن تتبع أثر مافيا المعادن التي تتاجر بدم العاصمة وممتلكات الشعب. كما نسأل وزيري الداخلية والمالية كيف تنزف الخزينة العامة مليارات الدولارات لصالح حيتان التهريب في وقت تبحث فيه الدولة عن الموارد لدعم الخدمات والمجهود الحربي.
إن النحاس الذي يهرب اليوم ليس مجرد معدن رخيص، إنه أعصاب الخرطوم وبنيتها التحتية التي بنيت بعرق العقود. وسكوت الجهات المختصة عن تقديم إجابات واضحة وحاسمة للرأي العام يضع الجميع أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما أن مؤسسات الدولة باتت عاجزة عن ضبط حدودها ومعابرها، أو أن هناك نافذين يشاركون الحيتان في تناول الوجبة. إن الشارع السوداني لم يعد يحتمل الصمت أو الإجابات المعلبة، والسؤال سيظل شاخصاً يطارد الجميع: من هرب النحاس، ومن فتح له الباب ليغادر؟
آخر الكلام:
إن نزيف الموارد والخراب الذي يطال بنية الوطن التحتية لم يعد ملفاً يحتمل التأجيل أو المداراة تحت أي شعار. الحقيقة كاملة ودون مواربة هي أولى خطوات التعافي، وأي تقاعس عن كشف مافيا النحاس وحماة المعابر يعني ببساطة تقديم الوطن قرباناً على طبق من ذهب لمن لا يرحمون. الرأي العام لا يطلب معجزات، بل يريد أفعالاً تخرس الإشاعات، وتبتر الأيادي العابثة قبل أن نفيق جميعاً على وطن تم تفكيكه وبيعه كقطع غيار في أسواق النخاسة!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات