كتب: إسماعيل شريف
لم يكن الزلزال الذي شعر به سكان القاهرة مجرد هزة أرضية عابرة، بل كان اختباراً غير متوقع للحالة النفسية التي يعيشها مئات الآلاف من السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى اللجوء نحو مصر.
فالزلازل ليست جزءاً من الذاكرة الجمعية للسودانيين. صحيح أن السودان شهد عبر تاريخه هزات أرضية محدودة، لكنها لم تكن من الظواهر التي شكّلت ثقافة المجتمع أو أثرت في نمط البناء والحياة كما هو الحال في بعض الدول الواقعة على الأحزمة الزلزالية. لذلك نشأ معظم السودانيين في بيئة يغلب عليها السكن الأفقي، والمنازل ذات الطابق الواحد، والحيشان الواسعة التي تمنح شعوراً بالاتساع والأمان.
لكن الحرب قلبت كل المعادلات.
فمنذ أبريل 2023، عاش ملايين السودانيين تجربة مختلفة تماماً. أصوات المدافع، والغارات الجوية، والطائرات المسيّرة، والانفجارات، والرصاص، والنزوح المتكرر… كلها أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. وحين غادر كثير منهم إلى مصر، كانوا يبحثون عن الاستقرار بعد أن أنهكتهم سنوات الخوف.
وعندما اهتزت الأرض في القاهرة، بدا المشهد لافتاً. فقد أظهرت ملاحظات كثيرة أن عدداً كبيراً من السودانيين تعاملوا مع الموقف بهدوء نسبي، ولم تُرصد بينهم حالات واسعة من التدافع أو الفوضى. وبالطبع لا يعني ذلك أن الجميع تصرف بالطريقة نفسها، فاستجابة البشر للمخاطر تختلف من شخص إلى آخر، لكن المشهد العام يدعو إلى التأمل.
يفسر علماء النفس هذا السلوك أحياناً بما يعرف بـ”التكيف مع الصدمات”. فالإنسان الذي يتعرض لفترات طويلة من الخطر المستمر لا يبقى في حالة خوف دائم، لأن العقل البشري لا يستطيع تحمل هذا القدر من التوتر إلى ما لا نهاية. ومع مرور الوقت، يعيد ترتيب أولوياته، ويطور آليات للتعايش مع القلق، فيبدو أكثر هدوءاً حتى في المواقف التي تستدعي الخوف.
وهنا ينبغي التمييز بين الشجاعة وبين ما يسميه المختصون “التبلد الانفعالي”. فالأول موقف إرادي، أما الثاني فقد يكون نتيجة تراكم الصدمات والضغوط النفسية. وليس من السهل، بمجرد النظر إلى الناس، معرفة أيهما يحكم تصرفاتهم.
الحرب لا تدمر المدن وحدها، بل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. فهي تغير نظرته إلى الخطر، وإلى الحياة، وحتى إلى الموت. وقد يصبح ما كان مخيفاً بالأمس أقل تأثيراً، ليس لأن الخطر تراجع، بل لأن الإنسان أصبح يحمل داخله قدراً أكبر من الاحتمال، أو لأنه استنزف جزءاً كبيراً من طاقته الانفعالية.
وربما لهذا السبب لم يكن الزلزال، بالنسبة لبعض السودانيين، أخطر من الذكريات التي تركوها خلفهم في الخرطوم، أو الفاشر، أو نيالا، أو الأبيض، أو غيرها من المدن التي عاشت ويلات الحرب. فالخوف من الطبيعة يختلف عن الخوف من الإنسان، لكنهما يلتقيان في أثرهما على النفس.
ومع ذلك، فإن الهدوء الظاهر لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دليلاً على التعافي. فكثير من ضحايا الحروب يحملون جراحاً نفسية لا تظهر للعين، وقد تبدو حياتهم طبيعية بينما تستمر آثار الصدمة في أعماقهم لسنوات.
لقد ذكّر زلزال القاهرة الجميع بحقيقة بسيطة: الإنسان لا يستطيع أن يختار كل ما يواجهه، لكنه يستطيع أن يختار كيف يتعامل معه. أما السودانيون، فقد علمتهم الحرب درساً قاسياً؛ أن الحياة قد تتبدل في لحظة، وأن النجاة ليست نهاية الحكاية، بل بداية رحلة طويلة لاستعادة الشعور بالأمان.
ولعل أكبر ما يحتاجه الناجون من الحروب ليس فقط السكن أو العمل أو التعليم، بل أن يستعيدوا إحساسهم الطبيعي بالحياة، وأن يتخلصوا تدريجياً من ذلك الاعتياد المؤلم على الخطر. فليس من الطبيعي أن يصبح الخوف أمراً مألوفاً، ولا أن تتحول الصدمات إلى جزء من الروتين اليومي. وإذا كان الزلزال قد هز الأبنية لثوانٍ معدودة، فإن الحرب لا تزال تهز أرواح السودانيين منذ سنوات، وهي هزة لا تقاس بمقياس ريختر، بل بعمق ما تركته من أثر في الإنسان.
