حين يعجز البيان ويقف البليغ حائراً أمام جلال المواقف، تتسابق الكلمات وتتزاحم الحروف لتخط ملحمة الصمود والإباء في أرض الكرامة. وحين نمعن النظر في تفاصيل المشهد السوداني اليوم، سنجد أن عظمة هذا الشعب الأبي لا تكمن فقط في قدرته على مجابهة الصعاب، بل في أولئك العظماء الذين يحولون رماد المحن إلى بساتين أمل، وفي مقدمتهم أولئك النفر الكرام في البنك الزراعي السوداني (فرع السوق المركزي بحري)؛ ذلك البنك العريق الذي يتسم بالجدية المطلقة، وبالمواقف الوطنية الراسخة، وبأن إدارته -الممثلة في مديره العام- تُعد من أكفأ وأنزه المدراء الذين مروا على هذا البنك وعلى هذا القطاع المصرفي الحي، مجسدين أسمى آيات الإخلاص والتميز والتفاني.
إنه بنك يواجه الأزمات بقضاء حوائج الناس، وبنك اختصه الله سبحانه وتعالى بأن يكون قريباً من نبض هذا الوطن وشريعته وتطلعاته. فالبنك الزراعي السوداني هو عماد هذه الأمة ونبضها في كل ضروب الحياة، من زراعة وصناعة وحرفيين، فهو البنك رقم واحد الذي نأمل ونتوسم فيه أن يكون هو قائد سفينة تغيير الاقتصاد السوداني إلى الأفضل وإلى الأحسن، ليكون بحق بيتاً دافئاً يفتح أذرعه ليكون لنا وطناً مصغراً يفيض بالحنّية والدفء والأمان.
فما إن تتفيأ ظلال هذا الفرع المعطاء، حتى يستقبلك فيض من البشر والترحاب الحنون الذي يغسل أدران التعب ويروّي الروح المتعبة. هناك، حيث تتعالى همم الرجال والحرائر فوق قسوة الطقس ولهيب الحرارة المرتفعة، تتراءى لك خلية نحل تحضن كل وافد بحنان الأم وطيبة الأهل؛ عمل دؤوب، وتفانٍ متناهٍ، ونشاط يتدفق عذوبةً وصفاءً كعذوبة النيل الخالد. إنهم يرتدون ثوب الخدمة العامة بكل شرف ونبل، يقدمون خدماتهم الجليلة المكللة بالحب لكل عميل وقاصد من غير أدنى تمييز أو محاباة، متخذين من حسن الخلق وطيب المعاملة عنواناً خالداً يبتدئ من رأس الهرم في الإدارة العليا ولا ينتهي عند أصغر موظف أرسى قواعد الواجب والمحبة.
ولا يمكن لقلم أن يمر مرور الكرام دون أن يقف إجلالاً وإكباراً أمام درّتين من درر هذا الفرع المبارك في قطاع الاستثمار؛ حيث تتجلى هامة الطيبة والإخلاص والأصالة في شخص الأخت الشابة الخلوقة والباسمة دوماً أزاهر إبراهيم أحمد. إنها بحق اسم على مسمى، وواحة وارفة الظلال، مزهرة بكل معاني النبل والصفاء والإنسانية العميقة، تبذل الغالي والنفيس لتذليل الصعاب وإسعاد وإرضاء كل مراجع وطأ قطاع الاستثمار بكلمات طيبة تشبه نسيم الشتاء الدافئ. إنها شمعة تحترق لتضيء دروب الآخرين، وبسمتها العذبة تروي الروح قبل أن تروي القاصد، وفي حقها وكأن الشعر يناجيها صادحاً:
تأتي فتستبق الخطى أنوارها … وتزهر الأيام في أزهارها
كالبدر يحنو في الظلام ضياؤه … والخير طبعٌ يرتجي من دارها
هي للوفاء عنوان عز شامخ … واللطف ساس البأس من أسرارها
وإلى جانبها المشرق، تتلألأ الغالية الفاضلة فايزة عطى الفضيل، التي نضرع إلى المولى عز وجل أن يكتب لها من اسمها النصيب الأوفى فتكون من الفائزين في الدارين. إن ما تفيض به على المواطنين من توجيه سديد، وحسن استقبال، ومعاملة أبويّة وأخوية راقية ودافئة، يمثّل بلسماً شافياً يمسح غبار الأسى وكأنه طمأنينة تسري في الروح. إنها منبع للحكمة والوقار والرحمة، وفي وصف مقامها العالي يهتف اليراع شعراً:
فايزة العطاء وفيض كف كريمة … تجلو الهموم ببسمة وحكيمة
كالغيث تهمي بالندى وبشرها … تروي القلوب بطيبها العميم
يا نبع حب في الصحارى قد نما … طوبى لمن حظي بذاك التكريم
إن هؤلاء الأكارم في بنكنا الحبيب بحري لم يكونوا مجرد مؤدين لواجب وظيفي بارد، بل تحولوا إلى رسل سلام ومواساة؛ يداوون بابتساماتهم العذبة الحنونة وإشراقة وجوههم مرارة النزوح وفظاعة الحرب اللعينة التي ألقت بظلالها الثقيلة على قلوب السودانيين. لقد محوا بفضل أخلاقهم العالية كل تنكيل ومعاناة، ليثبتوا أن الإنسان السوداني في أصل معدنه هو جوهر نقي أصيل يتألق حناناً وعطاءً كلما اشتدت عليه النوائب.
فنسأل الله العلي القدير، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يبارك في جهودهم، وأن يجعل كل قطرة عرق بذلوها، وكل ابتسامة حنونة رسموها على شفاه مكلومة، في ميزان حسناتهم، وأن يكلل مسعاهم بالرفعة والسؤدد، ليظل فرع السوق المركزي بحري منارةً لا تنطفئ، وشمعةً دافئةً تضيء عتمة الدرب، وتزرع الأمل في قلب كل محب، وتنثر الحب والخير في ربوع البلاد، لتبقى أفعالهم الطيبة وساماً مكللاً بالفضيلة، ومصدر إلهام يحيي النفوس، ويغرس اليقين بأن الغد أجمل، وأن أرواح السودانيين الأطهار ستبقى دائماً خفاقة بالبذل، نابضةً بالوفاء، ومصنوعةً من نور لا يعرف الأفول.
