الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتتتويجٌ برائحة التاريخ: عندما زأرتْ "قرطبة" في ملاعب أمريكا

تتويجٌ برائحة التاريخ: عندما زأرتْ “قرطبة” في ملاعب أمريكا

بقلم/ د. اسماعيل الحكيم


ثَمَّةَ انتصاراتٌ تَضيقُ عنها المستطيلاتُ الخضراء، وتَعجزُ عن استيعابِ كُنْهِها شاشاتُ العرضِ ومدرجاتُ الملاعب؛ لأنها باختصار، عبورٌ جَسورٌ فوقَ جسرِ الزمن، وانبعاثٌ حيٌّ لروحِ أمةٍ أبَتْ أن تُوارى في طياتِ النسيان. وحينَ انحنتْ قارةُ أمريكا الشمالية – بكبريائها الماديّ وغطرستِها الحديثة – لِتُسَلِّمَ تاجَ الإمارةِ الكرويةِ لإسبانيا ، لم يكن المَشهدُ عبارة عن فوزٍ رياضٍي مجردٍ في مضمارِ اللعبة، إنما كان صدمةً حضاريةً مدوية، زلْزلتْ نرجسيةَ القوة التي ظنَّتْ أنها الأولى على الدوام، فإذا بها تجدُ نفسَها مجردَ مَسرحٍ ومَمرٍّ لعودةِ التاريخِ إلى أهله. إنها اللحظةُ التي تنفّستْ فيها ملاعبُ الغربِ نَسيمَ الشرقِ الأندلسي؛ فما إسبانيا اليوم إلا رجعُ صدى لقرطبةَ الأمس، وما هذا التتويجُ إلا نقشٌ جديدٌ على جدرانِ وعينا الجماعي، يُذكّرنا بأن الجذورَ الممتدةَ في أعماقِ الأرضِ لا تموت، وأنَّ الفكرةَ العظيمةَ قد تنام، لكنّها حتمًا ، تستيقظُ لتصفعَ وجهَ الطغيان الماديّ برداءِ العزةِ والأصالة.
لقد أرادت أمريكا من هذه البطولة أن تكون استعراضاً باهراً لقوتها الناعمة، وتأكيداً لهيمنتها التنظيمية والاقتصادية، وكأنما العالم لا يدور إلا في فلكها، ولا يتنفس إلا بفرماناتها. لكن التتويج الإسباني فوق أرضها، وبين حشودها، جاء كصفعة معنوية بالغة الأثر، وخسارة فادحة لها في مضمارٍ آخر؛ مضمار الكبرياء والهيبة الفكرية.
إنها المواجهة الأزلية بين ثقافة الاستهلاك والآنية العابرة التي تمثلها أمريكا، وبين ثقافة العمق والامتداد الحضاري التي حمل لواءها الفائزون. لقد وقفت القوة المادية العظمى عاجزة عن صياغة مشهد النهاية على مقاس غطرستها، وتوارت نرجسيتها تحت ظلال رايةٍ رُفعت بروحٍ أندلسية عريقة، مبرهنةً على أن مَن يملك المال والسلطة لا يملك بالضرورة صكوك المجد، وأن الهيمنة السياسية سرعان ما تنحني إجلالاً أمام العراقة والتاريخ الأصيل.
حين رأبنا إسبانيا اليوم وهي تتربع على عرش المجد، لا يمكن للمثقف الحصيف المعتز بأصله إلا أن يبصر فيها أندلس الأمس؛ تلك البقعة المباركة التي كانت يوماً منارة الدنيا وعاصمة العلم والعلماء. إن هذا الفوز، في جوهره الرمزي، هو استدعاء لقرطبة التاريخ، وإشبيلية العلوم، وغرناطة الفنون التي علّمت الإنسانية أبجديات التحضر.
ولم يكن النسيج التكتيكي المحكم والذكاء الفذ في أداء الفائزين إلا صدىً لعبقرية التفكير ومناهج التحقيق التي ميزت رجال تلك الحقبة الزاهرة؛ فهناك، كان ابن حزم الظاهري ينسج الفكر كما ينسج الذهب، وكان ابن رشد يعيد للعقل مكانته، وكان الزهراوي يضع أسس الجراحة الحديثة، وكان عباس بن فرناس يحلم بالطيران قبل أن تعرفه البشرية بقرون، وكان ابن زيدون يسكب الشعر ماءً عذبًا في شرايين العربية، وكانت ولادة بنت المستكفي عنوانًا لنهضة الأدب، وكان لسان الدين بن الخطيب وابن البيطار والشاطبي وغيرهم يكتبون للأرض تاريخًا لا يزال العالم يدرسه حتى اليوم.
فحين لامست الأقدام عشب الملعب، طافت هذه الأرواح في سماء الوجدان، وكأن لسان حال الأندلس المبعوثة من مرقدها ينشد في وجه الجبروت المادي الحديث:
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا خَسِرْنَا مَمَالِكاً … إِذَا كَانَ عِزُّ الفِكْرِ فِينَا مُخَلَّدَا
سَلُوا قُرْطُبَاً عَنْ عِلْمِهَا وَشُمُوخِهَا … فَمَا مَاتَ مَجْدٌ كَانَ بِالرُّوحِ سَرْمَدَا
فقد تجاوزت قيمة هذا التتويج حدود المستطيل الأخضر وجنون الساحرة المستديرة، لتتحول إلى درس حضاري بليغ في الاتزان والارتباط بالأصل . إنه إثبات قاطع بأن الأمة التي ترتبط بجذورها لا تموت وإن طال غيابها أو توارت شمسها خلف غيوم العصور، وأن الأندلس ليست حقبة زمنية انقضت وأُغلق كتابها، لكنها فكرة ونور ، والفكرة الحية لا تفنى ولا تبيد.
لقد برهن هذا الفوز المتفرد، وفي هذا التوقيت بالذات، على أن القوة الحقيقية للأمم تكمن في رصيدها الإنساني والفكري، وأن الهيمنة المادية الأمريكية، مهما بلغت من الصلف والغطرسة، تظل قشرة خارجية هشّة أمام عواصف التاريخ التي تهب من أعماق الهوية. إنه باختصار، انتصار للتاريخ على الجغرافيا، وللروح على المادة، وللأندلس الولاّدة على كل قوى الاستعلاء الحديثة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات