متابعات : المجد نيوز
ألقت التطورات الأمنية المتسارعة في مدينة كاودا بولاية جنوب كردفان بظلالها على المشهد في المنطقة، بعد أحداث دامية شهدتها المدينة وأسفرت عن سقوط قتلى وإحراق منازل ودور عبادة، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الانقسام والتمرد داخل صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بما يثير مخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات وانعكاساتها على المدنيين.
وشهدت كاودا خلال الأيام الماضية أعمال عنف نُسبت إلى قوات تابعة للحركة، حيث تعرض عدد من الأحياء السكنية لهجمات أسفرت عن إحراق عشرات المنازل، فيما تعرضت إحدى الكنائس لعملية نهب وتخريب، الأمر الذي خلف خسائر مادية كبيرة وأثار حالة من الذعر بين السكان، لا سيما في أوساط المصلين والعاملين في الكنيسة الذين وجدوا أنفسهم وسط أعمال العنف.
ووفقاً لمصادر محلية، فقد قُتل الكاهن الكاثوليكي لأبرشية سانت فيسنتي، القس يوحنا الأمين نياروم، إثر إصابته بطلق ناري خلال الاعتداء الذي استهدف الكنيسة، كما لقي اثنان من العاملين وخادمي الأبرشية مصرعهما أثناء وجودهما برفقته، في حادثة أثارت ردود فعل واسعة وسط الأوساط الدينية والإنسانية، بالنظر إلى استهداف منشأة دينية وما ترتب عليه من خسائر في الأرواح.
وتشير إفادات متطابقة إلى أن الهجوم تسبب كذلك في تدمير ممتلكات خاصة وإجبار عدد من الأسر على مغادرة منازلها، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية إذا استمرت أعمال العنف، في منطقة تعاني أصلاً من تداعيات الحرب ونقص الخدمات الأساسية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع أزمة داخلية غير مسبوقة تشهدها الحركة الشعبية–شمال، بعد إعلان مجموعة من الضباط والجنود المنتمين إلى قبيلة “الأطورو” رفضهم المثول أمام لجنة تحقيق عسكرية شكلتها قيادة الحركة، قبل أن يعلنوا تمردهم على القيادة، في خطوة تعكس حجم الاحتقان والتباينات التي أخذت تتسع داخل التنظيم خلال الفترة الأخيرة.
وكانت الحركة قد اعترفت، في بيان سابق، بأن الأحداث التي شهدتها كاودا تطورت إلى حالة تمرد داخل صفوفها، مشيرة إلى أن شرارة الأزمة بدأت على خلفية خلافات تتعلق بالنزاعات حول الأراضي وترسيم الحدود بين مجموعات محلية. غير أن مراقبين يرون أن هذه التبريرات لا تعكس كامل المشهد، معتبرين أن ما يجري يمثل امتداداً لأزمة بنيوية تعيشها الحركة نتيجة تراكم الخلافات التنظيمية والعسكرية خلال السنوات الماضية.
ويرى متابعون للشأن السوداني أن التطورات الأخيرة تكشف عن تراجع قدرة القيادة على احتواء الخلافات الداخلية، خصوصاً مع تصاعد الاحتجاجات وسط بعض المكونات العسكرية والقبلية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار في المناطق التي تخضع لنفوذ الحركة.
كما يحذر مراقبون من أن استمرار الانقسامات قد يؤدي إلى مزيد من الانفلات الأمني، ويزيد من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تداعيات الصراع، سواء عبر النزوح أو فقدان الممتلكات أو تعطل الخدمات الأساسية.
وتكتسب الأحداث الأخيرة أهمية خاصة لأنها وقعت في كاودا، التي تُعد أحد أبرز معاقل الحركة الشعبية في جنوب كردفان، وهو ما يضفي بعداً إضافياً على الأزمة، إذ تعكس التطورات انتقال الخلافات من الإطار التنظيمي إلى مواجهات ميدانية تحمل تداعيات أمنية وإنسانية واسعة.
وفي ظل غياب مؤشرات على تسوية قريبة للخلافات الداخلية، تبدو الأوضاع مرشحة لمزيد من التعقيد، خاصة إذا اتسعت دائرة التمرد داخل الحركة أو امتدت المواجهات إلى مناطق أخرى. ويرى مراقبون أن أولوية المرحلة تتمثل في حماية المدنيين وضمان عدم تحول الخلافات الداخلية إلى صراع مفتوح يدفع سكان المنطقة ثمنه، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى احتواء الأزمة وتهيئة الظروف لاستقرار الأوضاع الإنسانية والأمنية في جنوب كردفان.
