تتربع المفوضية الأوروبية (European Commission) على عرش القرار التنفيذي للاتحاد الأوروبي؛ فهي حارسة المعاهدات، ومحرك السياسات المشتركة، والذراع التي تقترح التشريعات لسبع وعشرين دولة تشكل معاً أقوى التكتلات الاقتصادية والسياسية في العالم المعاصر. وعندما تسن هذه المؤسسة العريقة، بالتكامل مع مجلس الاتحاد الأوروبي، حزمة عقوبات أو قرارات حظر قطاعية، فإنها لا تصدر بياناً سياسياً عادياً ، لكنها تصوغ قوانين دولية ملزمة قادرة على هز كبريات الأسواق وإعادة رسم سلاسل التوريد العالمية.
فمن هذا المنطلق السيادي الثقيل، جاء قرار الاتحاد الأوروبي الأخير بفرض حظرٍ شامل على استيراد ونقل الذهب ذي المنشأ السوداني، مشفوعاً بحظرٍ موازٍ يمنع تصدير مادتَي الزئبق والسيانيد (المدخلات الأساسية لاستخلاصه) إلى السودان، ليمثل انعطافة تاريخية كبرى في مسار الحرب ومستقبل الاقتصاد السوداني.
إن هذا القرار، وإن بدا في ظاهره قيداً دولياً جديداً، إلا أنه ينطوي في عمقه ودلالاته على خدمة جليلة ومباشرة للمصلحة العليا للدولة السودانية وشعبها؛ إذ يعمل بمثابة كابح قسري يدفع السودانيين للاستفادة من معدنهم النفيس وحفظه لصالح مستقبلهم، بينما يوجه في الوقت ذاته ضربة قاصمة لشبكات التهريب الإقليمية، وعلى رأسها المنصات والمراكز الحيوية في ديولة الشر الإمارات العربية المتحدة . التي طالما اقتاتت على نزيف الجسد السوداني واعتمدت على ذهبه المهرب لتغذية أسواقها واقتصادها الموازي على حساب دماء السودانيين وأمنهم.
وتاريخ العلاقات الدولية يزخر بتجارب سابقة أثبتت فيها مثل هذه القرارات نجاعتها في قطع دابر الفوضى وتجفيف منابع الحروب. ولعل التجربة الأكثر نصوعاً هي عملية كيمبرلي” للماس في تسعينيات القرن الماضي، والتي نجحت في محاصرة “ماس الدم” بغرب إفريقيا وشل حركة أمراء الحرب الذين كانوا يشترون السلاح بجرائم التعدين غير القانوني، فضلاً عن عقوبات النفط والمعادن في إفريقيا الوسطى والكونغو. واليوم، يعيد التاريخ نفسه ببطاقة أوروبية، وتطبيق ذات المقاربة الجراحية على ذهب السودان ، مدركاً أن إيقاف آلة الحرب يبدأ من إغلاق مناجم التمويل المشبوه وخنق أدواته.
وينعكس هذا الحظر الأوروبي المزدوج إيجاباً على الداخل السوداني عبر مسارين متكاملين ، الأول هو شل قطاع التعدين العشوائي وتجفيف سيولة التمريض الموازي، حيث إن حظر الزئبق والسيانيد سيعمل كفرملة ميكانيكية توقف الاستخراج الجائر والتعدين الأهلي الذي تسيطر عليه المليشيات وشبكات المافيا العابرة للحدود. أما المسار الثاني وهو الأعمق أثراً، فيتجلى في تحويل الذهب من لعنة موارد تُهرب للخارج إلى حصانة وطنية تُدخر في الداخل؛ إذ إن انسداد منافذ البيع غير الشرعية سيجبر الجميع على إبقاء هذا المخزون الاستراتيجي داخل الحدود، ليكون ذخيرة اقتصادية قومية آمنة تحت يد الدولة ومؤسساتها الرسمية، يمكن أن تُستغل بكفاءة وشفافية في معركة إعادة الإعمار وبناء السودان الجديد عقب انجلاء غبار المعركة.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تتجلى الأهمية الجيوسياسية للقرار في كونه يقطع شريان الحياة عن إمارة السطو في دبي، التي تصدرت لسنوات تقارير المنظمات الدولية والأممية كأكبر مستودع وواجهة لتبييض الذهب السوداني المهرب وإعادة دمغه ليدخل الأسواق العالمية كمنتج شرعي . وبصدور هذا القرار، باتت الأسواق الإماراتية تحت المجهر والتهديد المباشر ، فلن تجرؤ الشركات أو المصافي العالمية التي تضع عيناً على السوق الأوروبية على المخاطرة بشراء ذهب تحوم حوله شبهة التهريب من السودان خشية العقوبات الصارمة، مما يعني جفاف المنبع الذهبي الذي كان يغذي نفوذ تلك الدويلة المالي القائم على مص ثروات الشعوب.
إن قرار المنظومة الأوروبية ليس مجرد تدبير تقني، بل هو بمثابة طوق نجاة دولي يفرض نفسه على المشهد؛ ليعيد للذهب السوداني وقاره كسيادة وطنية عصية على السرقة، ويبعث برسالة صارمة لشبكات التهريب الإقليمية بأن منافذكم قد سُدّت، وبأن ثروات السودان ستبقى لأهله، ذخيرةً للغد ومنطلقاً لإعادة بناء الوطن.
