الثلاثاء, يوليو 14, 2026
الرئيسيةمقالاتمشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني الحلقة(6) حين يُعاد توزيع الفقر داخل...

مشروع إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني الحلقة(6) حين يُعاد توزيع الفقر داخل الجغرافيا السياسية… يتحول الاقتصاد إلى خريطة صراع جديدة. بقلم/ زكريا علي عبدالرسول

● الاقتصاد والسياسة… كيف يتحول الفقر إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة؟
في الحلقة السابقة تناولنا كيف تفقد الدولة شرعيتها تدريجياً عندما تعجز عن إنتاج الثقة داخل المجتمع، وكيف تتحول من مرجعية جامعة إلى طرف في الصراع، مما يفتح الباب أمام كيانات موازية تعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي.
في هذه الحلقة ننتقل إلى بُعد شديد الحساسية في بنية الأزمة السودانية، وهو العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وكيف يمكن للاختلالات الاقتصادية أن تتحول من مجرد أزمات معيشية إلى أدوات لإعادة إنتاج الصراع وإعادة تشكيل الولاءات داخل المجتمع.
فالاقتصاد ليس مجرد أرقام ونسب نمو وموازنات مالية، بل هو في جوهره نظام توزيع للفرص والموارد داخل المجتمع. وعندما يختل هذا النظام، لا تتأثر حياة الناس فقط، بل تتأثر أيضاً طريقة تفكيرهم في الدولة والعدالة والانتماء.
إن الفقر في حد ذاته ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو شعور مستمر بعدم الإنصاف، خصوصاً عندما يُنظر إليه باعتباره نتيجة لسياسات غير عادلة أو توزيع غير متوازن للسلطة والثروة. وهنا يبدأ الاقتصاد في التحول من قضية تنموية إلى قضية سياسية بامتياز.
وفي الحالة السودانية، لم يكن الاختلال الاقتصادي مجرد نتيجة لعوامل طبيعية أو ضعف في الموارد، بل كان مرتبطاً تاريخياً ببنية الدولة نفسها، وبطريقة توزيع التنمية والخدمات بين المركز والأطراف، وهو ما عمّق الشعور بالفجوة بين المناطق المختلفة.
ومع مرور الزمن، لم يعد الفقر يُقرأ كحالة اجتماعية قابلة للعلاج عبر السياسات العامة، بل أصبح يُفسَّر في كثير من الأحيان عبر سرديات سياسية وهووية، تربط بين التهميش الاقتصادي والانتماء الجغرافي أو الثقافي. وهكذا يتحول الاقتصاد إلى عنصر في صناعة “الهوية السياسية”.
إن أخطر ما في هذا التحول أن الفقر لا يعود مجرد مشكلة يجب حلها، بل يصبح أداة للتعبئة السياسية، يتم توظيفه في بناء خطاب مظلومية مستمر، يعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.
كما يؤدي ضعف التنمية المتوازنة إلى خلق بيئات اقتصادية متفاوتة، حيث تتمركز الفرص في مناطق معينة، بينما تعاني مناطق أخرى من نقص مزمن في الخدمات والبنية التحتية. وهذا التفاوت لا يبقى اقتصادياً فقط، بل يتحول تدريجياً إلى شعور جمعي بالاستبعاد.
وعندما يتقاطع الشعور الاقتصادي بالاستبعاد مع الهويات المحلية، تتشكل بيئة خصبة لإعادة إنتاج الصراع، حيث يصبح الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي جزءاً من تفسير الفقر، لا مجرد إطار جغرافي.
ومن جهة أخرى، يؤدي ضعف الدولة في إدارة الاقتصاد إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، وظهور شبكات بديلة لتوزيع الموارد، بعضها يعتمد على الولاءات، وبعضها على النفوذ، وبعضها على القوة. وهذا يعمّق منطق اللاعدالة، ويضعف فكرة الدولة كموزع محايد للفرص.
ومع استمرار هذا الوضع، يفقد الاقتصاد دوره كأداة للاستقرار، ويصبح جزءاً من الأزمة السياسية، لا وسيلة لحلها. فبدلاً من أن يكون الاقتصاد جسراً بين الدولة والمجتمع، يتحول إلى ساحة إضافية للصراع.
إن معالجة هذه الإشكالية لا تتم فقط عبر تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل عبر إعادة بناء فلسفة التنمية نفسها، بحيث تقوم على العدالة في التوزيع، وتكافؤ الفرص، وربط الاقتصاد بمشروع وطني شامل لا يخضع للاعتبارات السياسية الضيقة.
فالدولة التي تفشل في إدارة اقتصادها بعدالة، تفشل تلقائياً في إنتاج الاستقرار السياسي، لأن الاقتصاد في النهاية هو أحد أهم أعمدة الشرعية.
ومن هنا يمكن فهم أن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة لا يمكن أن يكتمل دون إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي الذي يحكم العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المركز والهامش، وبين الثروة والعدالة.

في الحلقة القادمة…
المجتمع والدين والسياسة… كيف يُعاد تشكيل الوعي خارج مؤسسات الدولة؟
سنناقش دور المؤسسات الدينية والاجتماعية في إنتاج الوعي السياسي، وكيف تتداخل المرجعيات غير الرسمية مع الدولة في تشكيل تصورات الناس عن السلطة والعدالة، ولماذا يصبح الوعي الجمعي أحياناً أقوى من القانون نفسه.

هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات