إسماعيل شريف
ليست كل الأخبار أخبارًا.
فبعض الوقائع لا يُفهم معناها إذا قُرئت منفردة، وإنما حين توضع إلى جوار غيرها، كما تتجمع قطع الفسيفساء لتكشف صورة كانت غائبة عن العين.
خلال أيام قليلة، شهدت المنطقة سلسلة من التحركات اللافتة: الرئيس التشادي يزور دولة الإمارات ويحصل على دعم اقتصادي واستثماري، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان يتوجه إلى دولة الكويت في زيارة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية، فيما أعلنت الولايات المتحدة منح الإمارات امتيازات غير مسبوقة في الحصول على التقنيات الأمريكية المتقدمة وإعادة تصديرها بعد إعادة تصنيفها ضمن مجموعة A:5. وفي الوقت نفسه، تواصل واشنطن تعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط، بينما تتسارع اللقاءات والاتصالات الدبلوماسية في عدد من العواصم المعنية بملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
قد تبدو هذه التطورات، عند النظر إليها منفصلة، مجرد أخبار يومية. لكن القراءة الاستراتيجية لا تتعامل مع الأحداث باعتبارها وقائع مستقلة، بل بوصفها إشارات يكتمل معناها عندما تُقرأ ضمن سياق واحد.
وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام مصادفات سياسية متزامنة، أم أمام إعادة ترتيب هادئة للإقليم الذي يقع السودان في قلبه؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد السودان ملفًا داخليًا تتحكم فيه موازين القوى العسكرية وحدها، بل تحول إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، ومعادلات الساحل، وأمن الخليج، والمنافسة على الموانئ وخطوط التجارة والموارد الاستراتيجية.
ومن هذا المنظور، يصعب النظر إلى التحركات الأخيرة باعتبارها أحداثًا منفصلة. فزيارة الرئيس التشادي إلى أبوظبي، والزيارة الإماراتية إلى الكويت، والقرار الأمريكي بشأن الإمارات، والتعزيزات العسكرية الأمريكية، كلها تبدو أكثر دلالة عندما تُقرأ في إطار المشهد الإقليمي الأشمل.
هذا المقال لا يسعى إلى إثبات وجود اتفاق سري أو صفقة معلنة، فمثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة لا إلى ظنون. لكنه يحاول قراءة الاتجاه العام الذي تتحرك فيه المنطقة انطلاقًا من وقائع معلنة، وصولًا إلى سؤال يفرض نفسه اليوم: هل نشهد إعادة تشكيل للمشهد الإقليمي تمهيدًا لمرحلة جديدة في السودان، أم أن ما نراه ليس أكثر من تزامن بين أحداث متفرقة؟
الإجابة لا تكمن في خبر واحد، وإنما في الصورة التي ترسمها الأخبار عندما تجتمع.
الإشارة الأولى… لماذا تشاد؟ ولماذا الآن؟
إذا كان السودان يمثل قلب الأزمة، فإن تشاد تمثل إحدى أكثر بواباتها حساسية.
فالعلاقة بين البلدين لم تعد تُقاس بطول الحدود المشتركة أو الامتداد الاجتماعي والقبلي فحسب، بل أصبحت ترتبط بإقليم دارفور، حيث يتداخل البعد العسكري مع الإنساني والسياسي والإقليمي.
ومن هذا المنظور، تكتسب زيارة الرئيس التشادي المشير محمد إدريس ديبي “محمد كاكا” إلى دولة الإمارات أهمية تتجاوز ما أُعلن عنها من اتفاقات اقتصادية ودعم تنموي. فالعلاقات بين أبوظبي وإنجمينا ليست جديدة، لكن توقيت الزيارة يجعلها جديرة بالقراءة في سياق إقليمي أوسع.
تشاد تواجه تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، وتتحمل أعباء كبيرة نتيجة تدفق اللاجئين السودانيين، كما أنها تمثل طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تصور لمستقبل غرب السودان، سواء من زاوية أمن الحدود أو الاستقرار الإنساني أو ترتيبات ما بعد الحرب.
ومن ثم، فإن تعزيز استقرار تشاد وقدراتها لا ينعكس على الداخل التشادي وحده، بل يمتد أثره إلى البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان.
ولا يعني ذلك أن الدعم الإماراتي يرتبط مباشرة بالملف السوداني، فالإمارات تمتلك مصالح واستثمارات واسعة في أفريقيا، وتشاد شريك مهم في منطقة الساحل. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن أي تحول في استقرار تشاد ستكون له انعكاسات مباشرة على السودان بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح.
وهنا تبرز الإشارة الأولى: فعندما تعزز دولة ذات حضور إقليمي مؤثر شراكتها مع الدولة الأكثر التصاقًا بالحدود الغربية للسودان، فإن هذه الخطوة تستحق أن تُقرأ ضمن إعادة ترتيب البيئة الإقليمية، لا في إطار العلاقات الثنائية وحدها.
ولعل السؤال الأهم ليس: ماذا كسبت تشاد من الزيارة؟ بل: كيف يمكن أن يؤثر استقرارها وقدرتها على أداء دورها الإقليمي في مستقبل الأزمة السودانية؟
ذلك سؤال لن تجيب عنه هذه الزيارة وحدها، لكنه يكتسب وضوحًا أكبر عندما يوضع إلى جانب بقية الإشارات التي شهدتها المنطقة في الفترة نفسها.
الإشارة الثانية… ماذا يعني أن تمنح واشنطن الإمارات امتيازًا استراتيجيًا الآن؟
في السياسة الدولية، كثيرًا ما تكون القرارات الفنية أكثر دلالة من التصريحات السياسية. فبينما تحتمل البيانات الدبلوماسية أكثر من تفسير، تعكس القرارات المتعلقة بالتكنولوجيا المتقدمة وضوابط التصدير والشراكات الدفاعية مستوى الثقة الذي تحظى به الدول في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
ومن هذا المنطلق، يكتسب القرار الأمريكي بإعادة تصنيف دولة الإمارات ضمن مجموعة A:5 أهمية تتجاوز أبعاده التجارية أو التقنية؛ إذ يعكس تطورًا في مستوى الشراكة والثقة بين واشنطن وأبوظبي، في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة صياغة أولوياتها في الشرق الأوسط، مع الاعتماد بصورة أكبر على شركاء إقليميين قادرين على الإسهام في حفظ الاستقرار وتأمين الممرات البحرية والتعامل مع الأزمات المعقدة.
وتزداد أهمية القرار بالنظر إلى توقيته، إذ جاء وسط حراك دبلوماسي واسع، وتوترات أمنية، وتعزيزات عسكرية أمريكية، ما يجعله جزءًا من مشهد إقليمي أوسع يصعب عزله عن سياقه.
أما بالنسبة للسودان، فلا تكمن أهمية هذا التطور في وجود ارتباط مباشر بالحرب، إذ لا توجد معطيات معلنة تسمح بهذا الاستنتاج، وإنما في أن السودان أصبح جزءًا من البيئة الاستراتيجية التي يعاد ترتيبها. فالخرطوم تقع عند تقاطع ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل والهجرة وأمن التجارة، وهي ملفات باتت تحتل موقعًا متقدمًا في حسابات القوى الكبرى.
ومن ثم، فإن أي إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة التحالفات الإقليمية، أو تعزيز لمكانة شريك مؤثر، تنعكس بصورة غير مباشرة على البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالسودان.
وهذه هي الإشارة الثانية؛ فالقرار الأمريكي لا يحدد مستقبل الحرب في السودان، لكنه يكشف أن واشنطن تعيد ترتيب شبكة شركائها وأدوات نفوذها في المنطقة. وعندما توضع هذه الخطوة إلى جانب التحركات في تشاد، والنشاط الخليجي، والتطورات الأمنية الجارية، تتضح ملامح مشهد إقليمي آخذ في التشكل، قد يرسم الإطار الذي ستتحرك داخله أي تسوية مستقبلية في السودان.
الإشارة الثالثة… عندما تتحرك الجيوش قبل الدبلوماسية
اعتادت القوى الكبرى، في كثير من الأزمات، إعادة ترتيب ميزان الردع قبل الانتقال إلى طاولات التفاوض. فالتحركات العسكرية لا تكون دائمًا مقدمة لحرب جديدة، بل قد تكون وسيلة لتهيئة البيئة التي ستتحرك داخلها الجهود السياسية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التعزيزات العسكرية الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة تؤكد أن هذه التحركات تستهدف حماية قواتها ومصالحها، وتأمين الملاحة، وتعزيز الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية، ولا توجد معطيات تشير إلى أنها ترتبط بالحرب السودانية بصورة مباشرة.
غير أن أهميتها بالنسبة للسودان تكمن في سياقها الإقليمي. فالحرب السودانية لم تعد أزمة محلية خالصة، بل أصبحت جزءًا من فضاء استراتيجي يمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي والخليج والساحل. وكل إعادة ضبط للحضور العسكري الأمريكي أو لمنظومة الردع في هذا الفضاء تؤثر، بصورة غير مباشرة، في البيئة الأمنية والسياسية التي تتحرك داخلها الأزمة السودانية.
واللافت أن هذه التعزيزات جاءت متزامنة مع نشاط دبلوماسي مكثف في عدد من العواصم، بما يعكس مقاربة تجمع بين الردع والتحرك السياسي، بهدف إدارة التوترات الإقليمية ومنع اتساعها.
وهنا تبرز الإشارة الثالثة. فإذا كانت الإشارة الأولى تعلقت بالمحيط الغربي للسودان عبر تشاد، والثانية بإعادة ترتيب شبكة الشراكات الأمريكية، فإن هذه الإشارة تتصل بإعادة ضبط البيئة الأمنية للإقليم بأكمله.
ولا يعني ذلك أن المنطقة تتجه بالضرورة إلى التصعيد، بل قد يكون تعزيز الردع جزءًا من تهيئة ظروف أكثر استقرارًا تسمح بفتح مسارات سياسية أكثر فاعلية.
ومن هذه الزاوية، تبدو التحركات العسكرية الأمريكية عاملًا من عوامل تشكيل البيئة التي قد تتحرك داخلها أي تسوية مستقبلية في السودان، لأن فرص السلام لا ترتبط فقط بمواقف الأطراف السودانية، وإنما أيضًا بدرجة الاستقرار في الإقليم المحيط بها.
الإشارة الرابعة… عندما تتقاطع مسارات الخليج
في الأزمات الإقليمية الممتدة، لا تكمن أهمية التحركات الدبلوماسية في وقوعها فحسب، بل في توقيتها واتجاهها وطبيعة الأطراف التي تقوم بها.
وخلال الفترة الأخيرة، بدا النشاط الخليجي أقرب إلى حراك متصل تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية، في وقت يمر فيه الإقليم بمرحلة شديدة الحساسية.
فزيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى دولة الكويت جاءت بالتوازي مع تحركات سعودية، من بينها زيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى جوبا، ومع اتصالات دبلوماسية نشطة تتصل بملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ولا يعني ذلك وجود مبادرة خليجية جديدة أو تطابقًا كاملًا في مواقف العواصم الخليجية، فلكل دولة أولوياتها وحساباتها. لكن المؤشرات توحي بأن السودان لم يعد يُنظر إليه باعتباره أزمة منفصلة، بل جزءًا من منظومة أوسع ترتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي وأوضاع الساحل وأمن الممرات البحرية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب التنسيق الخليجي أهمية خاصة. فالمملكة العربية السعودية لا تزال تضطلع بدور محوري في رعاية المسارات السياسية، وفي مقدمتها منصة جدة، بينما تمتلك دولة الإمارات حضورًا مؤثرًا في عدد من الملفات الإقليمية المرتبطة بالسودان عبر القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وشبكة علاقاتها الاقتصادية.
وعندما يتزامن هذا الحراك مع تطور الشراكة الأمريكية الإماراتية، والتحركات المتعلقة بتشاد، وإعادة ضبط البيئة الأمنية في المنطقة، تبدو الصورة أكثر ترابطًا من قراءة كل حدث على حدة.
وهنا تبرز الإشارة الرابعة. فليست المسألة وجود خطة معلنة تجمع جميع هذه الأطراف، وإنما أن اتجاه الحركة الإقليمية بات يشير إلى سعي متزايد لتهيئة بيئة أكثر استقرارًا حول السودان، انطلاقًا من إدراك أن أي تسوية سياسية لن تكتب لها الاستدامة إذا ظل محيطها الإقليمي غارقًا في التوتر.
ولذلك، فإن السلام في السودان قد لا يبدأ من داخل ميدان القتال وحده، بل من إعادة ترتيب البيئة الإقليمية التي تحيط به.
عندما يسبق الإقليمُ السلام
عند قراءة كل تطور على حدة، قد تبدو زيارة الرئيس التشادي إلى الإمارات، والقرار الأمريكي بشأن الإمارات، والتعزيزات العسكرية الأمريكية، والنشاط الدبلوماسي الخليجي، مجرد أحداث مستقلة لكل منها أسبابه وسياقه.
لكن القراءة الاستراتيجية تبحث عمّا يجمع بين هذه الوقائع عندما تتزامن في الزمن نفسه، وتتحرك داخل المجال الجغرافي ذاته، وبين أطراف تتقاطع مصالحها في ملف بحجم السودان.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه التحركات صُممت من أجل السودان، أو أنها تمثل ملامح اتفاق وشيك، فمثل هذا الاستنتاج لا تدعمه الوقائع المتاحة. لكن ما يبدو أكثر ترجيحًا هو أن الإقليم المحيط بالسودان يشهد عملية إعادة ترتيب تتجاوز الأزمة السودانية نفسها، بينما يصبح السودان أحد أكثر الملفات تأثرًا بها، بحكم موقعه عند تقاطع ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل وأمن الممرات البحرية.
ومن هذه الزاوية، تكتسب النقاشات التي دارت خلال الأشهر الماضية حول الهدنة، والجهود الدبلوماسية، والمبادرات السياسية، دلالة مختلفة. فهي لا تمثل دليلًا على اقتراب التسوية، لكنها قد تعكس سعيًا إلى تهيئة البيئة الإقليمية والدولية التي تجعلها أكثر قابلية للتحقق عندما تنضج ظروفها.
فالحروب الكبرى لا تنتهي عادة بقرار مفاجئ، وإنما تسبقها مراحل من إعادة ترتيب موازين القوى، وتقاطع المصالح، وبناء التفاهمات بين القوى الأكثر تأثيرًا. وعندما تكتمل هذه العناصر، تصبح المبادرات السياسية أكثر قابلية للحياة، حتى وإن ظلت الخلافات بين أطراف الصراع قائمة.
ولذلك، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: متى تنتهي الحرب؟ بل: هل تقترب البيئة الإقليمية من التوازن الذي يجعل إنهاءها ممكنًا؟
قد تصيب هذه القراءة أو تخطئ، لكن ما يصعب تجاهله هو أن الإقليم من حول السودان يتحرك بوتيرة مختلفة، وأن إعادة تموضع القوى الفاعلة أصبحت أكثر وضوحًا خلال الفترة الأخيرة.
وإذا كانت الإشارات التي تناولناها تعكس بالفعل هذا الاتجاه، فإن السودان قد يكون أمام مرحلة جديدة؛ ليس لأن الحرب انتهت، ولا لأن التسوية أصبحت وشيكة، وإنما لأن البيئة التي يمكن أن تسمح بولادة سلام مستدام ربما بدأت تتشكل.
وهنا تبقى الحقيقة الأهم:
إن قراءة الأحداث خبرًا بخبر تكشف حركة القطع على رقعة الشطرنج، أما قراءتها مجتمعة فقد تكشف شكل الرقعة نفسها… والاتجاه الذي تتحرك إليه.
