الأحد, يوليو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة ...

وجه الحقيقة بقلم/ د. إبراهيم شقلاوي الخريف… ورهانات الأمن القومي

المشهد الراهن يجعل من تأخر خريف هذا العام تحديًا كبيرًا يتجاوز المناخ إلى صميم الأمن القومي، لارتباطه المباشر بالغذاء والاستقرار وقدرة الدولة على إدارة التعافي. وفي ظل ضعف البنيات الزراعية المتأثرة باعتداءات مليشيا الدعم السريع، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتداعيات التغير المناخي، تواجه بلادنا اليوم اختبارًا حقيقيًا في حماية أمنها الغذائي واستعادة فاعلية اقتصادها بعد الحرب.

وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت الدولة خطوات عملية لتأمين الموسم الزراعي، في محاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى المعالجة الميدانية. وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قرشي السبت إلى مشروع دلتا طوكر برفقة والي البحر الأحمر، تأكيدا على أهمية معالجة اختلالات الإنتاج من داخل مواقعها. فالحديث عن إعادة هيكلة إدارة المشروع، ومعالجة مشكلة المسكيت، وتوفير الآليات، وتعزيز الإرشاد الزراعي، يؤكد أن أزمة الزراعة لا ترتبط بالتمويل فقط، وإنما بتراكم مشكلات مؤسسية وبنيوية أضعفت دور المشاريع الزراعية.

وتتزامن هذه الخطوات مع إعلان وزارة المالية إنشاء محفظة تمويل مصرفية تتجاوز ثلاثة تريليونات جنيه لضمان نجاح الموسم الزراعي، بمشاركة البنك المركزي والمصارف التجارية والبنك الزراعي. وهي خطوة مهمة لأنها تنقل تمويل الزراعة من الاجتهادات الموسمية إلى إطار أكثر تنظيمًا، خاصة مع تحمل الدولة جانبًا من مخاطر التأمين الزراعي، والسعي لدعم صغار المنتجين وربط التمويل بسلاسل القيمة من الإنتاج .

ولعل هذه التحركات تتكامل مع ما طرحناه سابقًا في #وجه_الحقيقة، في مقال “أمننا الغذائي تحت الحصار”، حين أشرنا إلى ضرورة التعامل مع الموسم الزراعي باعتباره ملف طوارئ وطني، وإنشاء آلية مشتركة تجمع وزارات المالية والزراعة والري والقطاع المصرفي لضمان توفير مدخلات الإنتاج ومتابعة الموسم حتى نهايته. واليوم فإن تشكيل محفظة التمويل الحكومية يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل بحاجة إلى منظومة متابعة صارمة تضمن وصول الموارد إلى المنتجين وتحول التمويل من قرار على الورق إلى إنتاج في المشاريع الزراعية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير الموارد فقط، بل في سرعة تحويلها إلى أثر إنتاجي، خاصة مع ضيق الوقت واقتراب بداية الموسم. لذلك تبرز الحاجة إلى آلية تنفيذية قومية ذات صلاحيات واضحة، تضم الجهات الحكومية والقطاع المصرفي والولايات المنتجة، تتولى المتابعة اليومية لانسياب التمويل ومدخلات الإنتاج ومعالجة أي عقبات ميدانية.

كما أن نجاح الموسم الزراعي يتطلب شراكة فاعلة مع القطاع الخاص والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالزراعة والمناخ، إلى جانب دور الإعلام التنموي في نشر الوعي وتوفير المعلومات للمزارعين. فالمحفظة المالية تمثل بداية مهمة، لكن ضمان نجاحها يتطلب منظومة إدارة طوارئ سريعة ومتكاملة تحول القرار إلى إنتاج، وتجعل من الزراعة ركيزة للتعافي والاستقرار الوطني.

غير أن التحدي الأكبر أن معادلة الموسم الزراعي لم تعد مالية فقط، فالمناخ أصبح لاعبًا رئيسيًا في تحديد مستقبل الإنتاج. فالمؤشرات الأخيرة تشير إلى تغير واضح في نمط الخريف بالسودان وشرق أفريقيا، حيث تأخرت بداية الأمطار الفعالة مقارنة بالسنوات السابقة، وأصبحت الكميات الأكبر من هطول الأمطار تتركز خلال أغسطس وسبتمبر، بعد أن كان الاعتماد الأكبر على بدايات الموسم في يونيو ويوليو.

وهذا التحول بحسب خبراء، لا يمثل مجرد تغير طبيعي، بل يفرض مراجعة شاملة لسياسات إدارة المياه والزراعة. فالنظام الهيدرولوجي في السودان يتأثر بصورة مباشرة بتوقيت هطول الأمطار في الهضبة الإثيوبية، وبمواعيد تدفقات النيلين الأزرق والأبيض، وتشغيل الخزانات السودانية. لذلك فإن استمرار التعامل مع الموسم وفق أنماط مناخية قديمة قد يؤدي إلى فجوة بين خطط الدولة والواقع المائي الجديد.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في إدارة السنة الهيدرولوجية، وتطوير نظم التنبؤ المبكر، وتحديث قواعد تشغيل الخزانات، وربط القرارات الزراعية بالمعلومات المناخية الحديثة. كما أن ملف سد النهضة يظل جزءًا من هذه المعادلة، إذ ينبغي أن يرتبط توقيت الملء السنوي بالظروف الهيدرولوجية الفعلية بما يضمن عدم الإضرار بالتدفقات المائية اللازمة للسودان، خاصة في بدايات الموسم الزراعي.

إن الخريف في السودان لم يعد شأنًا يخص المزارعين وحدهم، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن القومي وبالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فضعف الإنتاج يعني ارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الاعتماد على الواردات، واتساع الضغوط على المواطنين، بينما يمثل نجاح الموسم فرصة لتعزيز التعافي وتقليل آثار الحرب وإعادة بناء الاقتصاد الوطني.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن معركة السودان القادمة لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في الحقول والسدود ومراكز الإنتاج. فالدولة التي تنجح في إدارة مياهها، وتأمين غذائها، ودعم منتجيها، تمتلك أساسًا أقوى لاستعادة عافيتها. لذلك فإن الخريف المقبل ليس مجرد موسم أمطار، بل اختبار لقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى فرصة، وعلى الانتقال من إدارة آثار الأزمة إلى بناء مستقبل تنموي أكثر استقرارًا.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 12 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

إبراهيمشقلاوي #الخريففيالسودان #الأمنالغذائي #الأمنالقومي #الزراعةالسودانية #الموسمالزراعي #التغيرالمناخي #التعافيالاقتصادي #إعادةالإعمار #السودان

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات