السبت, يوليو 11, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يتحدث الميدان تصمت الإملاءات. ...

حين يتحدث الميدان تصمت الإملاءات. بقلم/ اسماعيل الحكيم


ليست كل هدنة تراجعاً، وليست كل مبادرة انتصاراً للدبلوماسية. ففي عالم السياسة، لا تُقاس قيمة الأوراق بما كُتب فيها، وإنما بمن يملك القدرة على قبولها أو رفضها. وهذه هي الحقيقة التي كشفتها الأيام الأخيرة في المشهد السوداني.
خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان من الريف الشمالي للخرطوم مخاطباً جنوده وشعبه بعبارات لا تحتمل التأويل: إذ لا تراجع عن معركة الكرامة حتى يكتمل تطهير السودان من المليشيا، ولا تسليم لحكومة إلا بعد توافق وطني كامل يرضى عنه السودانيون جميعهم . فلم يكن ذلك خطاباً عاطفياً يُلقى في مناسبة عادية، إنما كان إعلاناً سياسياً من قلب الميدان، حيث تُكتب خرائط الدول بدماء الجنود قبل أن تُصاغ بالحبر على موائد التفاوض.
ولم تمض ساعات حتى برزت موافقة السودان على خمسة بنود من مجموع ستة من المقترح الأمريكي، بما يتضمنه من هدنة تمتد لتسعين يوماً. وهنا يقفز السؤال إلى الواجهة: هل غيّر البرهان بوصلته؟ أم أن أمريكا هي التي أعادت قراءة البوصلة؟
إن الذين ينظرون إلى المشهد بسطحية قد يرون تناقضاً بين خطاب البندقية وخطاب السياسة، أما الذين يقرؤون حركة الدول، فيدركون أن التفاوض ليس نقيض القوة، وإنما أحد ثمارها. فلا أحد يفاوض المهزوم على شروط المنتصر، ولا أحد يستأذن دولة فقدت قرارها. وإنما يُطرق باب من يملك مفاتيح الحل.
فالولايات المتحدة، وهي القوة الأعظم في العالم، لم تأت هذه المرة بلغة الإنذار، ولا بمنطق الوصاية، ولا بسياسة فرض الأمر الواقع، وإنما تقدمت بمقترح ينتظر قبول السودان. وهذه ليست مسألة بروتوكول دبلوماسي، لكنها إشارة سياسية تستحق التوقف.
فلو كانت الخرطوم في موقع الضعف الذي يصوره خصومها، لما احتاج أحد إلى موافقتها. ولو كان الجيش قد فقد زمام المبادرة، لما أصبح رأيه شرطاً لإنجاح أي تسوية. فالسياسة لا تعرف المجاملات، وإنما تعترف فقط بمن يمتلك أوراق التأثير.
لقد أثبتت معركة الكرامة، بما حملته من تحولات ميدانية، أن المعادلة التي حاول كثيرون فرضها في بدايات الحرب قد تبدلت. وما كان يُراد له أن يكون صراعاً يفضي إلى تقاسم السلطة تحت ضغط السلاح، أصبح اليوم ملفاً لا يمكن تجاوزه دون موافقة المؤسسة العسكرية والدولة السودانية معاً .
ولذلك، فإن موافقة البرهان على مناقشة المقترح الأمريكي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انحناءة للعاصفة، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها تصرف دولة واثقة من موقعها، وتدرك أن المنتصر الحقيقي لا يخشى اختبار السلام، لأنه يدخل إليه وهو ممسك بزمام المبادرة، لا وهو يبحث عن طوق نجاة.
أما حديثه عن أن الحكومة لن تُسلَّم إلا برضا السودانيين، فهو في جوهره إعلان لقاعدة جديدة: لا شرعية تُستورد، ولا سلطة تُمنح من الخارج، ولا مستقبل يُرسم في العواصم الأجنبية مهما عظمت مكانتها. فالسودان، الذي دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن وجوده، لا يقبل أن تُكتب خاتمة معركته بأقلام الآخرين.
ولعل الرسالة الأبلغ في هذا المشهد أن العالم نفسه بدأ يتعامل مع السودان كما هو، لا كما كان يتمنى أن يكون. فحين يتغير ميزان القوة، تتغير اللغة، وتتبدل الأولويات، وتصبح المبادرات بحثاً عن توافق، لا محاولة لفرض إرادة.
ويبقى أن السياسة ليست ميداناً للعواطف، كما أن الحرب ليست غاية في ذاتها. فإن كانت الهدنة مدخلاً إلى سلام يحفظ الدولة وسيادتها ويحقق تطلعات السودانيين، فهي خطوة تستحق الدراسة. أما إن تحولت إلى فرصة لإعادة إنتاج الأزمة أو تمكين السلاح خارج مؤسسات الدولة، فإن التاريخ القريب أثبت أن السودانيين سيدفعون ثمن ذلك مرة أخرى.
إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق لا تُحسم فيه المعارك بالرصاص وحده، ولا تُكسب فيه الجولات بالبيانات وحدها، وإنما بحسن إدارة القوة، وحسن توظيف السياسة. ومن ينجح في الجمع بينهما هو الذي يمتلك مفتاح المستقبل.
واليوم، تبدو الرسالة التي خرجت من الريف الشمالي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: الميدان هو الذي يمنح السياسة وزنها، والسيادة ليست شعاراً يُرفع، ولكنها قدرة تُنتزع، ثم تُحمى، ثم يُبنى عليها السلام.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات