الإثنين, يوليو 6, 2026
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة ...

وجه الحقيقة د. إبراهيم شقلاوي. سنار تستعيد ذاكرة الدولة

شهدت الخرطوم السبت توقيع ميثاق الصلح والتعايش السلمي بين مكونات ولاية سنار برعاية الرئيس عبد الفتاح البرهان، ومشاركة رئيس الوزراء د. كامل إدريس، وحضور حاشد من الإدارات الأهلية والطرق الصوفية ورجال الدين والقوى المجتمعية بالولاية، في خطوة هدفت إلى ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الاستقرار بعد تداعيات الحرب.

حين نتحدث عن ولاية سنار، فإننا نتحدث، عن واحدة من أهم لحظات التأسيس في تاريخ السودان. ففيها قامت الدولة السنارية “1504–1821م” ،أول دولة إسلامية في البلاد، التي نجحت في استيعاب التنوع الإثني والثقافي والديني داخل إطار سياسي واحد، بفضل التحالف بين الفونج والعبدلاب. ولذلك بقيت سنار في الذاكرة الوطنية رمزًا للدولة الجامعة، التي قامت على التعايش والتوازن أكثر مما قامت على الغلبة.

بهذا المعني تكتسب فكرة العودة إلى سنار في الخطاب السياسي والثقافي السوداني، كما في قصيدة محمد عبد الحي “العودة إلى سنار” ، معنى يتجاوز الحنين التاريخي إلى الماضي، ليصبح بحثًا عن نموذج تأسيسي للهوية والدولة والمجتمع . فعبد الحي لم يكن يستدعي مدينة بقدر ما كان يستدعي لحظة التكوين الأولى للذات السودانية، حيث تتقاطع الذاكرة والأسطورة والتاريخ في بناء معنى الانتماء للوطن.

اليوم، وبعد حرب 15 أبريل التي دشنت واقعًا بالغ التعقيد في بلادنا، يتجلى استدعاء سنار في سياق مختلف لكنه شديد الارتباط بالفكرة الأصلية للدولة. حيث لم تكن الحرب مواجهة عسكرية، بل لحظة أعادت تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي، وأعادت إنتاج الانقسامات داخل المجتمع، ووسعت الفجوة بين مكوناته، وهددت الفكرة التي قامت عليها الدولة السودانية، فكرة الوحدة في التنوع. وفي مثل هذا السياق، يصبح السؤال المركزي، كيف يعاد بناء المجتمع السوداني الذي تضرر بفعلها.

من هنا يمكن قراءة انطلاق مشروع المصالحات المجتمعية في ولاية سنار بوصفه حدثًا يتجاوز طابعه المحلي. فسنار بما تحمله من رمز تاريخي، تتحول إلى نقطة انطلاق ذات دلالة سياسية واضحة: إعادة وصل ما انقطع في النسيج الاجتماعي السوداني عبر استدعاء ذاكرة الدولة الأولى التي نجحت تاريخيًا، في إدارة التنوع داخل إطار سياسي جامع و مستقر. وكأن اختيارها يحمل رسالة ضمنية بأن إعادة تأسيس السودان بعد الحرب لا تبدأ من فراغ، بل من استعادة النماذج التي شكلت وعيه السياسي الأول.

كما أن هذا التوجه يعكس إدراكًا ، لدى الدولة بأن الأزمة الراهنة ليست أمنية فقط، بل هي أزمة عقد اجتماعي انهار تحت ضغط الحرب. فالمصالحات الاجتماعية، تُقرأ كجزء من المحاولة الجادة، لإعادة إنتاج الثقة بين مكونات المجتمع، بعد أن أعادت الحرب تشكيل العلاقات الاجتماعية على أسس الاستقطاب والاصطفاف. وفي هذا الإطار، تصبح المصالحة فعلًا سياسيًا بامتياز، لأنها تمس جوهر الدولة: علاقتها بمواطنيها، وبنيتها الاجتماعية، وقدرتها على إنتاج التماسك الداخلي.

وتبرز أهمية سنار اليوم من كونها لم تكن خارج دائرة تأثير الحرب، بل كانت جزءًا من التحولات التي أصابت المجتمع السوداني ، سواء على مستوى الضغوط الاقتصادية أو التوترات الاجتماعية أو إعادة تشكيل العلاقات الإنسانية. ومع ذلك، فإن اختيارها كنقطة انطلاق للمصالحات يمنحها بعدًا رمزيًا مضاعفًا، إذ تتحول إلى فكرة إعادة الناس إلى منصة التأسيس، لإعادة بناء المعنى السياسي والاجتماعي للدولة.

هنا تتقاطع السياسة بالتاريخ بطريقة لافتة. فالمشهد الراهن يعيد إنتاج ما عبّر عنه محمد عبد الحي شعريًا حين جعل العودة إلى سنار عودة إلى الجذور الأولى للهوية السودانية المترعة بالقيم، وإلى لحظة التكوين التي لم تكن فيها الحدود بين الثقافي والسياسي مفصولة. غير أن ما كان في القصيدة رؤية رمزية، يتحول اليوم إلى سؤال عملي في الفضاء السياسي: كيف يمكن تحويل الذاكرة التاريخية إلى أداة لإعادة بناء الدولة؟

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في نجاح مصالحة محلية هنا أو هناك، بل في قدرة هذه التجربة على التحول إلى نموذج وطني قابل للتعميم. فالدولة السودانية بعد الحرب لا تواجه فقط تحدي إعادة الإعمار، بل تواجه تحديًا أكبر يتعلق بإعادة تعريف ذاتها، وبإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة ومكوناتها الاجتماعية. عليه تصبح المصالحات المجتمعية أحد أهم أدوات إعادة إنتاج الشرعية السياسية والاجتماعية، لأنها تعالج الجرح المباشر للحرب في مستوى الحياة اليومية، حيث تتشكل الثقة أو تنهار.

إن السلام بعد الحروب بحسب #وجه_الحقيقة لا يُبنى بغياب السلاح، بل بعودة الثقة بين الناس. ومن هنا، فإن مصالحة سنار ليست نهاية خلاف، بل بداية مشروع وطني يضع الدولة أمام مسؤولية تحويل المصالحات إلى لحمة وطنية، والمجتمع أمام تجاوز انقسامات الحرب، والنخب السياسية والثقافية والإعلامية أمام إنتاج خطاب يوحد ولا يفرق. وإذا كانت سنار قد شهدت بالأمس ميلاد الدولة السودانية، فإنها اليوم تملك فرصة لتبدأ رحلة التعافي ، فالسودان لن يستعيد دولته إلا عندما يستعيد مجتمعه.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 6 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

#سنار_تستعيد_ذاكرة_الدولة

#المصالحات_المجتمعية

#سنار

#العودةإلىسنار

#محمد_عبدالحي

#السودان

#السلم_الأهلي

#الهوية_السودانية

#إعادةبناءالدولة

#التعايش_السلمي

#إبراهيم_شقلاوي

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات