وعلى حد قولي:
إذا بُنيتْ بالحكمةِ كلُّ الخطى أمسى الظلامُ أمامها ينهزمْ فالجيشُ ينتصرُ بالعقلِ الذي يبني النهاياتِ قبل أن يقتحمْ
عسكرياً لا تُعد السيطرة على الأرض المعيار الوحيد للحكم على نجاح العمليات، وإنما تُقاس النتائج بقدرة القوة المقاتلة على تدمير القوة العسكرية للخصم، وشل منظومة القيادة والسيطرة، وقطع خطوط الإمداد، وإفقاده حرية المناورة. ومن هذا المنطلق قراءة العمليات الجارية الان في دارفور وكردفان نموذجاً لحرب استنزاف تُقدِّم إضعاف العدو على التوسع الجغرافي السريع والاحتفاظ بالأرض ليس هدفاً قائماً بذاته، بل مرحلة تأتي عندما تصبح كلفة الدفاع عنها أقل من كلفة استعادتها. فإذا كانت منطقة ما مكشوفة أمام خطوط إمداد الخصم أو تتطلب أعداداً كبيرة من القوات لتأمينها، فإن الانسحاب التكتيكي المنظم قد يكون قراراً عسكرياً أكثر كفاءة من التمسك بها. فالعبرة ليست بمن يقف على الأرض لساعات أو أيام، وإنما بمن يمتلك القدرة على فرض إرادته في نهاية المعركة.
ما وصفه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، بتكتيك الحفر بالإبرة. ويقوم هذا المفهوم، وفق القراءة العسكرية، على تنفيذ عمليات متواصلة ودقيقة تستهدف مراكز الثقل العسكرية للخصم، واستنزاف مليشيا آل دقلو المُتمردة تدريجياً، وإضعاف قدراتها القياديةا واللوجستية، بدلاً من خوض معارك واسعة ذات كلفة مرتفعة. وقد برزت ملامح هذا النهج خلال العمليات التي سبقت استعادة ولايتي الخرطوم والجزيرة، وعدد من المناطق الأخرى، حيث سبق التحرير تآكل مستمر في قدرات الخصم، وانخفاض في قدرته على الإمداد والمناورة، حتى أصبحت السيطرة على الأرض نتيجة طبيعية لنجاح عملية الاستنزاف.
ومن هذا المنظور، فإن التحركات في بعض المحاور، سواء بالتقدم أو إعادة التموضع، يمكن فهمها في إطار إدارة المعركة وفق أولويات عسكرية، بحيث تُوجَّه الجهود نحو تدمير وسائل قتال العدو، واستهداف قياداته، وقطع طرق إمداده، بدلاً من استنزاف القوات في الدفاع عن مواقع قد لا تحقق أفضل مردود عملياتي في تلك المرحلة.
عندما تتعرض مليشيا الدعم السريع المُتمردة لضغط عسكري متزايد، فإنها تلجأ إلى الحرب النفسية والإعلامية، عبر إطلاق التهديدات، والترويج لقرب مهاجمة المدن، أو استهداف الأعيان المدنية لإحداث أثر نفسي يتجاوز أثره العسكري، بهدف التأثير على الروح المعنوية للمواطنين. غير أن هذه الوسائل لا تغيّر من الحقائق الميدانية إذا كانت القوة القتالية تتعرض للاستنزاف المستمر.
ومن منظور استراتيجي، فإن نجاح أي حرب استنزاف لا يُقاس بعدد الضربات أو المساحات التي يتم الدخول إليها، وإنما بمدى قدرة تلك العمليات على تفكيك القوة الصلبة للخصم، وإضعاف منظومة القيادة والإمداد، وتقليص قدرته على القتال حتى يصل إلى مرحلة يفقد فيها زمام المبادرة. وعندها تصبح السيطرة على الأرض تتويجاً لنجاح الاستراتيجية، وليست هدفاً مستقلاً عنها.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
