كانت لنا حكايات مع قدوم فصل الخريف في كردفان………
الخريف في كردفان نعمة من نعم الله . و ضيف نعمة يرسله كل عام يغاث فيه الناس فيستقبلونه بأجمل عبارات الترحاب و كرم الضيافة ، يصلون الصلوات ، يكثرون الدعوات ، و يذبحون النُذُر و الكرامات شكراً و حمداً لله…. العادة في كردفان نادراً ما يأتي الضيف و (إيدو) فاضية. و خاصة في مواسم الحصاد يأتي محملاً بخيرات الزرع و السوق معاً و مثله يطلق عليه ضيف (النعمة)…..يحضرني موقف طريف عن ضيف النعمة. و أنه في العام ( ٢٠١٣م ) كنت في رحلة تفقدية لمدارس الرحل في الولايات ” و هي رحلة سنويه بالتنسيق مع منظمة اليونسيف الداعم الأول لتعليم الرحل ” شملت ولايات وسط و غرب و شرق دارفور و شمال كردفان و النيل الأبيض . و كان برفقتي الخبير التربوي و خبير المناهج ببخت الرضا الأستاذ حامد إبراهيم حامد نسأل الله أن يتم له العافية…..معروف عن الرحل حسن استقبالهم و كرمهم الفياض تجاه ضيوفهم . و قد ذكرت ذلك كثيراً في كتاباتي عن تعليم الرحل بعنوان ( تنشيط ذاكرة ) ، و هذا الموقف من ضمنها و لم أورد تفصيله لكن الشيء بالشيء يذكر….رحلتنا قبل الأخيرة كانت شمال كردفان صحبنا فيها كالعادة مدير تعليم الرحل بالولاية الأستاذ ادريس الجاك …..محطتنا كانت محلية أم روابة حيث تناولنا فيها وجبة الإفطار مع الزملاء في مكتب تعليم المحلية بما لذ وطاب كعهدنا بأهل أم روابة . و بعدها زرنا معتمد المحلية لتنويره بأهداف الزيارة فتفاجأت بالزميل الاستاذ محمد نور حسين المرضي معتمداً بها ، و لم يكن أحدنا يعلم بالاخر منذ أن افترقنا عام (١٩٧٨م) من مدرسة خور طقت الثانوية ( داخلية ابو سن ) .كانت مشاعر الترحاب أكبر من دعوة لوليمة و تمنى الاخ المعتمد لو أنه كان يعلم بقدومنا قبل النفاجأة…..بعد هذا اللقاء الأريحي الذي اختلطت فيه مشاعر الزمالة بمشاعر اللقيا و حرارة الاستقبال ، غادرنا إلى فريق رحل البقارة ( راحات ) جنوب أم روابة ، و غرب شركيلا ( إيد النيل ) و سميت بذلك لأنها تقع على رافد من روافد خور ( أبوحبل ) ويسمى النيل لغزارة مياهه الموسمية في فصل الخريف و انتشاره الواسع ليغطي مساحات واسعة من الأراضي و يطلق عليه أهل المنطقة النيل و هي أراضٍ خصبة يزرع فيها القطن قصير التيلة و الطماطم الشهير بطماطم الله كريم…..تم استقبلونا استقبالاً حاشداً ” رجالاً و نساءً و طلاب و أطفال ” على نغمات و إيقاع المردوم و النقارة في حرم مدرستهم المتنقلة التي تتكون من فصلين مبنيين من (قصب الدخن) . و بحسب معرفتنا بكرم الرحل و تقديرهم للضيف قدمنا اعتذارنا قبل الزيارة بعدم التأخير معهم لارتباطنا برحلة أخرى . و تم تبليغهم بذلك قبل حضورنا و بالرغم من ذلك وجدناهم أعدوا لنا مشروب الدخن (الطاااااعم) و حليب البقر الطازج و الشاي و القهوة…….بعد انتهاء المهرجان و الوقوف على عمل المدرسة و تقرير المجلس التربوي و استعدادنا للركوب عل سياراتنا فؤجئنا بخروفين ( أقرنين ) على ظهر سيارتنا و قبل أن ننطق بكلمة سبقونا بالقسم و الطلاق على ألا يرجع واحد منها وهي ضيافة مسبقة رفضناها ذبيحة (نشيلها) حيَّة….يا له من كرم و لله درهم……توقفنا في الطريق في مقهى لصلاة العصر و الترويح من رهق الطريق فأشرت للسائق خلسةً تحويل أحد الخروفين إلى عربة زملائنا من مكتب تعليم أم روابة دون أن يشعروا بذلك ….عند وداعنا تفاجأ الزملاء بالخروف على سيارتهم و حاولوا إنزاله ، لكنا أقسمنا ألا ينزل و أخذنا طريقنا إلى الأبيض بعربة الأستاذ إدريس و معنا الخروف الآخر وكنت أفكر في إقناع الاستاذ ادريس لأن يأخذ معه الخروف الى بيته لأننا على سفر و عندما وصلنا أنا وضيفي إلى منزل أحد أقاربي أمر الأستاذ إدريس بإنزال الخروف فحاولت إقناعه ليأخذه لبيته لأننا ضيوف فحلف كعادته فقال : (أبقو ضيوف نعمي) فكان لأهل البيت فيه نصيب……كذلك الخريف فهو ضيف على الكل ، و نعمه لا تعد بفضل الله…..عرفنا من خلال نشأتنا الريفية علامات قدوم الخريف من آبائنا و أمهاتنا . فكانوا يترغبون مغيب (الثريا) في منتصف شهر مايو و يعرفونه بحساب النجوم و عد الأيام و شدة السخانة و كثافة الغبار … و يعقبه هبوب الرياح من الإتجاه الجنوبي الغربي فيقول أهلنا الهبوب ( حجَّت )… و هذه الحَجَّة عندهم دلالة على قرب الخريف فيرمون التيراب ( الحبوب) و تسمى عملية التيراب (بالرُّمَال) أو الرميل لأنه يدفن في الرمل اليابس . و حجة الهبوب دلالة نظرية صحيحة في علم المناخ لأن الرياح (الجنوبية الغربية) تأتي مشبعة بالرطوبة فتتكثف الرطوبة إلى سحاب و تسوقه الرياح ليروي به الله ما شاء من بقاع الأرض …..من علامات الخريف ايضاً ( شَق ) الفرع و يعني اخضرار فروع الأشجار الجافة من أثر الصيف ، و قلة شرب البهائم للماء ، و قدوم طيور السمبر ( الكِلجو) بعاميتنا ، و الرهيو و شروعها في بناء أعشاشها فوق أعلى الأشجار . و من ثم تسري و تغشى أنوفنا رائحة الدعاش أو (الهيف) البارد القادمة من (الصعيد) وقت العصريات . وتعرف البهائم نزول الخريف بحاسة الشم و عندما (تكرف) الدعاش تتوجه أنظارها و ترفع رؤوسها تجاه الصعيد فتبدأ حركة تلقائية جنوباً من دون انذار معتمدة على حاسة الشم . و ما على أصحابها ألا الإذعان و النزول عند رعبتها فيشدوا رحيلهم للنشوق خلفها…….يظهر بعد هذه المقدمات السحاب المتقطع و عندما يراه الناس يقولون ( طارت أم بشَّار ) و أم بشَّار كناية عن السحاب اي أنه مبشّر بالخريف فيهزجون ” طارت أم بشار و جاء الغبار و ندم الجزار ” و ندامة الجزار تأتي من أن البهائم ستبتعد و لن يجد ذبائح و أن الناس يتفرغون للزراعة و يتفرقون في المشاريع و البلدان بعيداً عن الأسواق فيكسد سوق الجزار و يقل الشراء في الاسواق ……إلى يومنا هذا مرت كل هذه العلامات…طارت أم بشار ، و جاء و ذهب الغبار ، و غادر (الجزار) . و ذهبت من عيَّن الخريف جمع (عِينَة) العصا العطشانة و العصا الرويانة و دخلت قبل يومين أو ثلاثة من أول يوليو ( عِينَة) الضُراع و هي أول عيَّن الخريف رغم أنها محفوفة بالحذر في اعتقاد أهلنا لكنهم يتوكلون و يقولون ” كان نجحت بلاد و كان فسدت أمداد ” و الإمداد جمع ( مُد ) وهو مكيال للحبوب في كردفان….و يقول آخرون ” كان نجحت مَسْرَة و كان فسدت كسرة ” بفتح الكاف و تسكين السين و تنعى الخسارة و أيضاً يسمون النزوح بسبب المجاعة سنة الكسرة أو الجولة ……كما يقولون ” فلان كسر العيش ” أي اشتراه و كسرت أردب عيش بمعنى أشتريته. و تلي عينة الضراع عينة النترة……..في العام الماضي فسد الخريف و فسدت المَسْرَة بسبب آفة مليشيا الدعم السريع التي انتشرت كالجراد و قضت على المحصول في سنابله بمناطق أهلنا في شمال و غرب كردفان ، وحرمت الناس من الزراعة حتى أنستهم علامات الخريف و ما عادوا يلقون لها بالاً . فهاجروا هم و السمبر و الرهيو و الناس و البهائم و لم يسمع أطفالهم أهزوجة ( طارت أم بشار و ندم الجزار ) و لم يتمتعوا برؤية السحاب المتراكم كالجبال الذي كنا نشبهه في (سيره) بالجِمال و نتمنى أن يكون جمالاً ملكاً لآبائنا…ترى هل زار مناطقنا هذا العام ضيف نعمة؟؟… و هل بقي من الآباء من يحسب العيَّن و يتتبع السحاب ، و يرمي (التيراب) ؟؟… و هل بقيت بهيمة تأكل من خشاش و تكرف الدعاش ؟؟؟….أمامنا أسابيع من عِينة ( الطرفة البكاية ) لغزارة المطر فيها و هي عماد و أس الخريف… فهل تغادر آفة مليشيا الدعم السريع هذه المناطق قبل هذا الوقت ليعود الناس إلى ديارهم في موسم الأمطار فيفرحوا و تفرح البهائم و يلعو السمبر و الرهيو أعالي الأشجار ؟؟…… أتمنى ذلك….وصيتي لكل من شردته الحرب ، و عصفت به موجة النزوح من أهلنا في دارفور وكردفان كافة ألا تيأسوا من رحمة الله…. فأينما كنتم فثم وجه الله ، و أينما حللتم فهي أرض الله… و لعل هذا عام يغاث فيه الناس فيعصرون ، فمن أوى منكم إلى ملجأٍ آمنٍ و وجد مساحة للزراعة فليزرع و لو ( جبراكة ) حول الدار أو أمتار في قلب و أطراف الدار لعلكم تغاثون و تعصرون و حينها لن يندم الجزار…
.الغالي الزين حمدون
٢٠٢٦/٧/٥م..
