الخرطوم: حفية نورالدائم
في مشهد وطني يعكس تحوّلًا متسارعًا نحو ترسيخ مسارات السلام المجتمعي، شهدت الخرطوم، السبت، توقيع ميثاق الصلح والتعايش السلمي لمكونات مجتمع ولاية سنار، في خطوة وُصفت بأنها أكثر من اتفاق، بل محطة مفصلية لإعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية وطيّ صفحات النزاعات الممتدة. ويأتي هذا التوافق في ظل رهانات رسمية وشعبية متزايدة على المصالحات المحلية باعتبارها المدخل الأكثر فاعلية للاستقرار، ونقطة الانطلاق نحو إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، بما يؤكد أن بناء السودان يبدأ من القاعدة الاجتماعية عبر ترسيخ قيم الحوار والتعايش.
وشهد فندق السلام روتانا بالخرطوم مراسم التوقيع على ميثاق الصلح والتعايش السلمي لمكونات مجتمع ولاية سنار، في فعالية وطنية نظمها المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي التابع لرئاسة مجلس الوزراء، برعاية رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وبإشراف رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، وبحضور عدد من الوزراء والمسؤولين وقيادات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية وممثلي القوى المجتمعية.
وأكد رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس أن ميثاق الصلح والتعايش السلمي بين مكونات ولاية سنار يمثل نموذجًا وطنيًا متكاملًا يمكن تعميمه على جميع ولايات السودان، معلنًا التزام الحكومة الكامل بدعم تنفيذ بنوده وتوفير الإمكانات اللازمة لإنجاحه.
ووصف إدريس الوثيقة بأنها اتفاق تاريخي يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتعايش، ويضع قاعدة راسخة لإطلاق مسيرة التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أنها لا تمثل مجرد وثيقة مكتوبة، وإنما تجسد القيم السودانية الأصيلة القائمة على التسامح والتكافل والتكاتف.
وأضاف أن الحكومة ستعمل على تحويل بنود الميثاق إلى برامج عملية على أرض الواقع، مع تعميم التجربة باعتبارها نموذجًا ناجحًا في إدارة النزاعات المجتمعية وتعزيز السلم الأهلي، مؤكدًا أن التعافي الوطني يبدأ من المصالحات المحلية وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، ومشيدًا بجميع الأطراف التي أسهمت في إنجاز هذا التوافق.
من جانبه، أكد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم أن السلام المجتمعي يمثل الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية أو جهود لإعادة الإعمار، مشيرًا إلى أن الاستقرار هو الشرط الأول لجذب الاستثمارات وتحسين الخدمات وتحريك عجلة الاقتصاد.
وقال إن ميثاق سنار يجسد إرادة وطنية صادقة لتجاوز آثار الحرب وبناء مجتمع متماسك، مؤكدًا استمرار الحكومة في دعم المبادرات التي تعزز الاستقرار الاجتماعي وتسهم في دفع التنمية بالمناطق المتأثرة.
وشدد على أن نجاح المصالحات ينبغي أن يترافق مع إطلاق مشروعات تنموية حقيقية توفر فرص العمل وتحسن مستوى معيشة المواطنين، مبينًا أن السلام والتنمية مساران متلازمان لا يمكن الفصل بينهما.
بدوره، وصف والي ولاية سنار اللواء ركن (م) الزبير حسن السيد توقيع الميثاق بأنه محطة مفصلية في مسيرة استعادة الأمن وإعادة بناء النسيج الاجتماعي عقب تداعيات الحرب، مؤكدًا أن الولاية ظلت، بما تمتلكه من تاريخ وتنوع اجتماعي، نموذجًا للصمود والتماسك.
وأشار إلى أن سنار تجاوزت تحديات بالغة التعقيد بفضل جهود القوات المسلحة والقوات النظامية والإدارات الأهلية ولجان المصالحات، معتبرًا أن الميثاق يمثل عهدًا وطنيًا وأخلاقيًا لطي صفحات الخلاف والانطلاق نحو مرحلة جديدة عنوانها التنمية وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات.
ودعا والي سنار الحكومة الاتحادية وشركاء التنمية إلى دعم المشروعات الخدمية والتنموية بالولاية، مجددًا التزام حكومته بتنفيذ بنود الميثاق بالتعاون مع جميع المكونات المجتمعية وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح.
وأكد رئيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي الدكتور النور الشيخ النور أن السلام المجتمعي يمثل المدخل الحقيقي لاستقرار السودان، موضحًا أن المجلس قاد سلسلة من اللقاءات والحوارات مع حكومة ولاية سنار والإدارات الأهلية والمكونات المجتمعية، أسفرت عن التوافق على الميثاق بعد مشاورات واسعة.
وقال إن الأمن والسلام يشكلان قاعدة التنمية والاستثمار، داعيًا إلى نبذ الجهوية والخلافات الضيقة، وتعزيز الخطاب الوطني الجامع، كما دعا وسائل الإعلام إلى تبني خطاب مسؤول يعزز قيم الانتماء الوطني، وحث رجال الأعمال على دعم جهود التعافي الاقتصادي، والشباب على الانخراط في مشروع وطني يسهم في بناء السودان.
ودعا الشيخ موسى هلال إلى تعميم تجربة المصالحات المجتمعية التي شهدتها ولاية سنار على جميع ولايات السودان، مؤكدًا أن البلاد تواجه تحديات معقدة تستوجب توحيد الجبهة الداخلية وتعزيز التماسك الاجتماعي، باعتباره خط الدفاع الأول عن أمن الدولة واستقرارها.
وأشار إلى أن تجاوز المرحلة الراهنة يتطلب تضافر جهود جميع القوى المجتمعية والسياسية، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، بما يسهم في ترسيخ السلام وتهيئة الأجواء لإعادة البناء والإعمار، مؤكدًا أن نجاح مبادرات الصلح يمثل ركيزة أساسية لاستعادة الثقة بين مكونات المجتمع وتعزيز الوحدة الوطنية.
ومن جانبه، استحضر شيخ العرب المهندس يوسف أحمد يوسف صفحات من التاريخ الاجتماعي لولاية سنار، مؤكدًا أن الولاية ظلت عبر عقود
نموذجًا للتعايش والتسام
ح، حيث عاش أبناء مكوناتها المختلفة في قرى ومدن واحدة، وتقاسموا تفاصيل الحياة اليومية بروح من الألفة والتكافل.
وقال إن الحرب خلفت جراحًا عميقة، لكن استمرار آثارها في النفوس لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، داعيًا إلى تجاوز المرارات القبلية والسياسية، والنظر إلى المستقبل بروح المسؤولية الوطنية، والعمل على ترميم العلاقات الاجتماعية التي تضررت بفعل الحرب.
وأضاف أن السودان لن يستعيد عافيته إلا إذا أدرك أبناؤه أن ما يجمعهم أكبر من أسباب الخلاف، وأن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات تمثل الأساس الحقيقي لإعادة بناء الدولة وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية.
وفي السياق ذاته، دعا وزير الصحة المكلف بولاية سنار الدكتور إبراهيم العوض إلى ربط المصالحات المجتمعية ببرامج التنمية وتحسين الخدمات الأساسية، مؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يكتمل إلا بانعكاسه المباشر على حياة المواطنين.
وأوضح أن الميثاق جاء ثمرة جهود مشتركة شاركت فيها الإدارات الأهلية والمؤسسات الرسمية والمجتمعية، مشددًا على أهمية تحويله إلى برامج عملية، ومشيرًا إلى أن الاستثمار في الخدمات والبنية التحتية يمثل الضامن الحقيقي لاستدامة السلام ومنع تجدد النزاعات.
وأكد ممثلو الإدارات الأهلية أن المرحلة الحالية تفرض توحيد الصف الوطني وتعزيز قيم التآخي والتسامح، مشددين على أن تجاوز آثار الحرب لن يتحقق إلا بتضافر جهود جميع مكونات المجتمع وتغليب المصلحة الوطنية.
وأشاروا إلى أن مبادرات الصلح التي شهدتها ولاية سنار أسهمت في تعزيز الأمن والاستقرار وإعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية، مؤكدين استمرار الإدارة الأهلية شريكًا رئيسيًا مع مؤسسات الدولة في دعم السلم المجتمعي ورأب الصدع وتقوية النسيج الاجتماعي.
وثمّن ممثلو الإدارة الأهلية جهود القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المشتركة، إلى جانب القيادات التنفيذية والطرق الصوفية واللجان المجتمعية، في بسط الأمن وإنجاح جهود المصالحات، مؤكدين أن الحفاظ على الاستقرار يمثل البوابة الرئيسة للتنمية وإعادة الإعمار.
واختُتمت الفعالية بتأكيد جماعي على أن ميثاق سنار لا يمثل نهاية لمسار المصالحات، بل بداية لمرحلة جديدة قوامها الحوار والتسامح والعمل المشترك، وأن نجاح التجربة يفتح الباب أمام تعميمها في بقية ولايات السودان، بما يعزز وحدة البلاد ويؤسس لسلام مجتمعي مستدام يدعم جهود إعادة البناء والتنمية.
