السبت, يوليو 4, 2026
الرئيسيةمقالاتأسئلة مشروعة تنتظر الإجابة من بنك السودان المركزي لماذا مُنحت رخصة تشغيل...

أسئلة مشروعة تنتظر الإجابة من بنك السودان المركزي لماذا مُنحت رخصة تشغيل المحول المالي لشركة خاصة حديثة رغم وجود EBS؟ كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد


أثار منح بنك السودان المركزي رخصة تشغيل المحول المالي لشركة العسجد للحلول الرقمية والذكية نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المصرفية والاقتصادية، ليس اعتراضاً على مبدأ مشاركة القطاع الخاص، وإنما بسبب طبيعة هذا الترخيص وحساسية المنظومة التي يتصل بها.
فالمحول المالي (National Financial Switch) ليس مجرد برنامج أو تطبيق للدفع الإلكتروني، بل هو العمود الفقري لمنظومة المدفوعات الوطنية، إذ يربط المصارف، ويوجه عمليات التحويل، ويضمن تبادل المعاملات المالية بين المؤسسات المصرفية بصورة آمنة وسريعة، ولذلك تعتبره معظم الدول جزءاً من البنية التحتية السيادية للنظام المالي.
تجربة السودان لم تبدأ اليوم
عندما نتحدث عن البنية التحتية للمدفوعات في السودان، لا يمكن تجاوز شركة Electronic Banking Services (EBS) التي تأسست عام 1999 بمبادرة من بنك السودان المركزي والمصارف السودانية لتكون الذراع الفنية لتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني في البلاد. وقد اضطلعت الشركة منذ إنشائها ببناء وتشغيل عدد من أهم الأنظمة المصرفية الوطنية، وأصبحت الجهة التي تدير المقاصة الإلكترونية، والمحول الوطني لأجهزة الصراف الآلي، وربط المصارف، وعدداً من خدمات الدفع الإلكترونية. كما تُعرّف نفسها بأنها الذراع التقنية لبنك السودان المركزي، وقد لعبت دوراً محورياً في استمرارية الخدمات المصرفية حتى خلال ظروف الحرب.
ولم يقتصر دور EBS على تشغيل البنية التحتية المحلية، بل امتد إلى دعم تطوير الأنظمة المصرفية. فمن رحمها خرج مشروع Pentabank، أحد أشهر الأنظمة المصرفية الأساسية (Core Banking System) في السودان، والذي تطور لاحقاً عبر شركة FBS التي انفصلت عن EBS كشركة مستقلة، بينما استمرت EBS في تشغيل البنية التحتية الوطنية للمدفوعات.
وفي عام 2026 حققت EBS إنجازاً مهماً بحصولها على اعتماد رسمي كمكتب خدمة (Service Bureau) لشبكة SWIFT العالمية، بعد اجتياز متطلبات فنية وأمنية صارمة، وهو اعتماد يعكس مستوى عالياً من الجاهزية التقنية والامتثال للمعايير الدولية. كما أعلن بنك السودان امتلاكه حصة استراتيجية في الشركة لتعزيز استقرار البنية التحتية المالية.
ماذا يحدث في الدول الأخرى؟
في التجارب الدولية البارزة، نجد أن مشغلي البنية التحتية الوطنية لأنظمة المدفوعات لا يكونون – في الغالب – شركات خاصة مملوكة لمستثمر واحد أو لمجموعة استثمارية مستقلة، وإنما مؤسسات مملوكة للبنوك أو بالشراكة مع البنك المركزي، بما يعزز الحوكمة ويحد من تضارب المصالح، ومن أبرز هذه النماذج:
• شركة المدفوعات الوطنية الهندية (National Payments Corporation of India – NPCI): تأسست عام 2008، وهي شركة مملوكة لاتحاد من البنوك الهندية، وتعمل تحت إشراف بنك الاحتياطي الهندي، وتتولى تشغيل البنية التحتية الرئيسية لأنظمة المدفوعات في الهند.
• شركة نظام التسويات بين البنوك النيجيرية (Nigeria Inter-Bank Settlement System – NIBSS): تأسست عام 1993، وهي شركة مملوكة للبنك المركزي النيجيري والبنوك التجارية، وتتولى إدارة وتشغيل منظومة المدفوعات الوطنية في نيجيريا.
• شركة بانكسيرف أفريقيا (BankservAfrica): تأسست عام 1972، وهي شركة مملوكة للقطاع المصرفي في جنوب أفريقيا، وتعمل تحت إشراف البنك الاحتياطي لجنوب أفريقيا، وتعد المشغل الرئيسي للبنية التحتية لأنظمة المدفوعات والتسويات بين البنوك في البلاد.
وتوضح هذه النماذج أن تشغيل البنية التحتية الوطنية للمدفوعات يُسند غالباً إلى مؤسسات ذات ملكية مصرفية أو ذات طابع مؤسسي يخضع لحوكمة ورقابة مشددة، نظراً لما تمثله هذه المنظومات من أهمية استراتيجية واستقرار للنظام المالي.
وهنا تبرز الأسئلة
إذا كانت EBS تمتلك خبرة تزيد على خمسة وعشرين عاماً في تشغيل البنية التحتية للمدفوعات، وإذا كانت قد حصلت حديثاً على اعتماد دولي من SWIFT، وإذا كان السودان يمتلك بالفعل مؤسسة راكمت خبرات بشرية وتقنية طوال هذه السنوات، فمن الطبيعي أن تُطرح الأسئلة التالية:
• ما الحاجة الفنية والاستراتيجية لإنشاء مشغل جديد للمحول المالي؟
• ما القيمة المضافة التي سيقدمها مقارنة بما هو قائم؟
• لماذا لم يُعلن بنك السودان عن تفاصيل عملية التقييم والمعايير التي استند إليها؟
• هل طُرحت الرخصة في منافسة مفتوحة بين الشركات المؤهلة؟
• وهل يختلف نموذج الشركة الجديدة عن النماذج المتبعة في الدول التي تكون فيها ملكية مشغل البنية التحتية للمصارف نفسها أو للبنك المركزي؟
لشفافية وإدارة المخاطر… الضمان الحقيقي لاستقرار النظام المالي
إن هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من شأن أي شركة، ولا تعني رفض مشاركة القطاع الخاص في تطوير الخدمات المالية، وإنما تعكس أهمية الإفصاح عندما يتعلق الأمر بأحد أكثر مكونات النظام المالي حساسية.
فالمحول المالي ليس مجرد منصة تقنية، بل يمثل بنية تحتية وطنية تمر عبرها عمليات الدفع والتحويل بين المؤسسات المالية، وأي خلل في تشغيله أو حوكمته قد ينعكس بصورة مباشرة على استقرار النظام المصرفي وثقة المتعاملين فيه.
ومن منظور إدارة المخاطر، فإن منح رخصة تشغيل المحول المالي يستلزم التأكد من أن المشغل يمتلك القدرة على إدارة المخاطر التشغيلية، ومخاطر الأمن السيبراني، ومخاطر استمرارية الأعمال، ومخاطر تعطل الخدمات، ومخاطر حماية البيانات، إلى جانب وجود مراكز بيانات احتياطية، وخطط للتعافي من الكوارث، واختبارات دورية لضمان استمرارية الخدمة في مختلف الظروف.
كما تقتضي أفضل الممارسات الدولية وجود إطار واضح لإدارة المخاطر المؤسسية، يحدد المسؤوليات، وآليات الرقابة، وقياس المخاطر، والإبلاغ عنها، مع خضوع المشغل لعمليات تدقيق فني وأمني مستقلة بصورة دورية، باعتبار أن أي تعطل أو اختراق لمنظومة المدفوعات قد يمتد أثره إلى جميع المصارف والمؤسسات المالية والاقتصاد الوطني.
ولهذا، فإن الشفافية لا تقتصر على الإعلان عن منح الترخيص، وإنما تشمل توضيح الأسس الفنية والرقابية التي استند إليها القرار، ومدى استيفاء المشغل لمتطلبات إدارة المخاطر، والأمن السيبراني، والملاءة المالية، والجاهزية التشغيلية، ومعايير الحوكمة، بما ينسجم مع المبادئ الدولية للبنى التحتية للأسواق المالية (Principles for Financial Market Infrastructures – PFMI) الصادرة عن Committee on Payments and Market Infrastructures وInternational Organization of Securities Commissions، والتي تؤكد أن البنية التحتية المالية ذات الأهمية النظامية يجب أن تُدار وفق أعلى معايير الحوكمة وإدارة المخاطر .
وفي هذا الإطار، فإن الجهة الأقدر على إنهاء هذا الجدل ليست الشركة الحاصلة على الترخيص، وإنما بنك السودان المركزي، من خلال نشر مبررات القرار، والمعايير التي اعتمدها، وبيان الكيفية التي سيحقق بها هذا الترخيص قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، مع الحفاظ على أمن واستقرار منظومة المدفوعات وتعزيز الثقة في النظام المالي السوداني.

saeed.abuobida5@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات