الجمعة, يوليو 3, 2026
الرئيسيةمقالاتالجمعيات التعاونية: شريان التنمية والنهضة الاقتصادية - ألمانيا نموذجاً ...

الجمعيات التعاونية: شريان التنمية والنهضة الاقتصادية – ألمانيا نموذجاً بقلم/ محمد علي عبدالله عبد الدائم

تعد التجربة الألمانية في العمل التعاوني واحدة من أبرز النماذج العالمية التي أثبتت أن “قوة المجموعة” قادرة على بناء اقتصاد صلب ومستدام. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر نجحت ألمانيا في تحويل فكرة التضامن البسيط إلى مؤسسات اقتصادية عملاقة تشكل اليوم ركيزة أساسية في استقرار ونهضة البلاد الاقتصادية.

الجذور التاريخية: المساعدة الذاتية كطوق نجاة

  • ولدت الحركة التعاونية في ألمانيا وسط ظروف اقتصادية قاسية خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، حيث عانى صغار المزارعين والحرفيين من الاستغلال وارتفاع فوائد القروض.
  • وبفضل مصلحين اجتماعيين مثل فريدريش فيلهليم رايفايزن، تبلورت فلسفة تقوم على شعار “ما لا يقدر عليه الفرد وحيداً، تقدر عليه المجموعة”.
  • لم تكن التعاونيات الألمانية مجرد مبادرات خيرية، بل كانت حلولاً عملية لمواجهة أزمات السيولة والائتمان، حيث أسست البنوك التعاونية لتمويل المشاريع الصغيرة بفوائد عادلة، مما منح الطبقات المتوسطة والفقيرة فرصة للمشاركة في العملية الإنتاجية بدلاً من السقوط في فخ الديون.

ملامح النجاح: من الائتمان إلى الطاقة المتجددة

اليوم تضم ألمانيا أكثر من 7500 شركة تعاونية، يشارك فيها ما يزيد عن 20 مليون عضو. ولا يقتصر هذا النشاط على قطاع بعينه، بل يمتد ليشمل:

  • القطاع المالي والمصرفي: مثل بنوك فولكس بانك ورايفايزن بانك التي تقدم خدمات بنكية تقوم على مبدأ العائد المشترك بدلاً من تعظيم أرباح المساهمين.
  • قطاع الإسكان: توفر الجمعيات السكنية خيارات سكنية بأسعار معقولة وعادلة، مما يساهم في الاستقرار الاجتماعي.
  • قطاع الطاقة: برزت في الآونة الأخيرة تعاونيات الطاقة التي تستثمر في مصادر الطاقة المتجددة، لتصبح لاعباً رئيساً في التحول الطاقي الأخضر الذي تقوده ألمانيا.
  • القطاع الاستهلاكي والزراعي: تدار سلاسل توريد كبرى وفقاً للنظام التعاوني لضمان جودة المنتج وسعر عادل للمنتج والمستهلك.

لماذا تفوقت التعاونيات الألمانية؟

تختلف التعاونيات في ألمانيا عن الشركات التقليدية (المساهمة أو ذات المسؤولية المحدودة) في عدة نقاط جوهرية مكنتها من الصمود أمام الأزمات الاقتصادية:

  • ديمقراطية القرار: لكل عضو في الجمعية صوت واحد بغض النظر عن حجم رأس ماله، مما يضمن تمثيلاً عادلاً ومسؤولية جماعية.
  • الأهداف الأخلاقية: تضع التعاونيات مصلحة الأعضاء والمجتمع قبل تحقيق الربح الفاحش.
  • الرقابة الذاتية: ابتكرت ألمانيا نظاماً دقيقاً من “جمعيات التدقيق” التي تشرف على أداء التعاونيات، مما يقلل من مخاطر الفساد وسوء الإدارة دون تدخل حكومي خانق على سياساتها التعاونية الداخلية.
  • الاستدامة: بفضل رؤيتها طويلة المدى، لا تعتمد التعاونيات على المضاربات قصيرة الأجل، مما جعلها “صمام الأمان” للاقتصاد الألماني في فترات الركود الاقتصادي.

الخاتمة: رسالة من ألمانيا إلى العالم

أثبت النموذج الألماني أن الجمعيات التعاونية ليست “أثراً قديماً” يمكن التخلي عنها، بل هي أداة اقتصادية مرنة قادرة على التكيف مع تحديات العصر. فهي اليوم تساهم في حماية البيئة وتعزز الاندماج الاجتماعي وتوفير فرص العمل. والأهم من ذلك، أنها تعيد التأكيد على قيم التضامن والمساواة كمدخل حقيقي لنهضة اقتصادية شاملة.

نجحت ألمانيا في جعل كل مواطن تقريباً شريكاً في عملية التنمية، سواء كان مودعاً في بنك تعاوني أو مستأجراً في سكن تعاوني. يظل هذا درساً ملهماً للدول الساعية نحو بناء اقتصاد متوازن يضع الإنسان على الطريق الصحيح وفي قلب العملية التنموية لنهضة المجتمع.

وهنا يطرح السؤال: هل آن الأوان لأن يأخذ السودان بالنموذج الألماني سعياً للنهضة الشاملة وإعادة الإعمار من الناحية الاقتصادية والاجتماعية لما دمرته الحرب؟

بقلم: عميد شرطة (حقوقي)
م. محمد علي عبدالله عبد الدائم

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات