السبت, يونيو 27, 2026
الرئيسيةمقالاتبرزخ الطين والورق: في وداع سادن الحكايات عند منحنى النهر ...

برزخ الطين والورق: في وداع سادن الحكايات عند منحنى النهر بقلم: أمين أحمد ود الريف


لمحة إنسانية من الذاكرة:
تضيق العبارة حين تتزاحم الرؤى، وتتسع الفجيعة لتصبح برزخاً تلتحم فيه الأسئلة المعلقة بالدموع المنسكبة؛ هناك، عند المنحنى الذي تلتقي فيه حكايات الورق بطين الواقع، يتحول الفقد الشخصي إلى مأتم كوني يبيد الفواصل الهشة بين الخيال والشهود، لتبدو الشخوص التي سطرها الأديب الراحل كأنها خرجت من بطون الكتب لتصطف مع المشيعين في مشهد وداعه الأخير، ولتتركنا حيارى بين سطوة الحزن وأسئلة الهوية الوجودية الشاخصة التي طالما أرّقت مضجعه.

من سكب هذا النيل في عروق الحكايات حتى بات الموت نفسه يبدو شأناً عادياً ومألوفاً كخروج الفلاحين إلى حقولهم في الفجر؟ هناك، عند النهر في أم درمان، حيث تتواطأ الأرض مع الذاكرة في ذلك الصباح من فبراير عام 2009، كان تراب مقابر البكري يفتح بوابات السديم لتتدفق الشخوص التي ظننا يوماً أنها مجرد حبر على ورق؛ تذوب الفواصل الهشة بين الرواية والواقع، وتصبح الجنازة مأتماً وعرساً كلياً في آن واحد لتشييع جثمان الأديب الراحل الطيب صالح. وفي تلك الأجواء من زمهرير فبراير الذي يلف العاصمة، كان هواء الشتاء ينساح بين شواهد القبور حاملاً معه جفاف الصحراء، بينما تهب من صوب النهر لوافح محملة بذكرى مواسم “الدميرة” البعيدة؛ ذلك الفيضان الخريفي العاتي الذي طالما زأر في أزمان الرواية، واكتسح الجروف مخلفاً الطمي وعصارة الأسرار المخبوءة، كأن الشتاء الحاضر يستدعي الخريف الغائب في صفحة الماء والورق.
عند موضع الرأس من القبر، جلستُ غارقاً في طين الابتهال، أحاول لملمة الكلمات ورفعها أدعيةً إلى سماء تجود بظلال الغيم. كانت الكلمات تخرج ثقيلة، مشحونة برائحة الطلح والقرنفل، كأنه ممدودة من رصيد الحكمة المنسية في قرى منحنى النيل، تلك التي طالما ألفت صراع الموج وعنفوان النهر تحت ضوء الشمس الحارق. وحين رمتني الرغبة في الانصراف، اعترضت طريقي الصحفية بخيتة أمين، واقفة كشجرة سيال صامدة وسط العاصفة، والدموع تبيد الكبرياء على تضاريس وجهها، وتبلل ثيابها بنشيج مكتوم. كانت تحمل في يدها سبيطتين من النخيل، خضراوين، نديتين، كأنهما قُطِعتا للتو من قلب نخلة عتيقة في “ود حامد”. تطلب مني بصوت يتهدج بالرجاء أن أواصل الالتصاق بالأرض لتظل الدعوات حية، وبأصابع ترتجف لكنها واثقة بيقين المؤمن، غرست إحدى الفسيلتين عند موضع الرأس؛ في التفاتة روحية مشحونة بإرث النبوة، تلتمس للراحل سعة الاستغفار والرحمة ما دام هذا الشريان الأخضر رطباً يسبح. في تلك اللحظة، صوبت عشرات العدسات فوهاتِها الزجاجية نحو المشهد، وتسجل كيف تولد الطمأنينة من رحم الشجن، وكيف يتحول طقس الوفاة إلى صلة وصل خضراء تبتهل للميت وتتحدى الفناء والعدم البارد.
وعلى مسافة خطوتين من هذا التحول الوجودي، كان الحضور تظاهرة ثقافية وتاريخية معقدة؛ البروفسور يوسف فضل يقف بوثائقيته الصارمة ووقاره الأكاديمي، كأنه يراجع فصلاً مفقوداً من تاريخ السودان، وعلي مهدي، الذي حمل ملامح “الزين” يوماً على شاشات السينما، بدا هنا كأنه البطل الحقيقي الذي ضل طريقه خارج حدود الشريط السينمائي ليعيد تمثيل طقس العبور الأخير. وبجوارهما كان الصحفي خليفة حسن بلة، والراحل صديق الحلو الذي حمل في عينيه مسحة الحزن النبيل، والدكتور عبدالله صالح أستاذ الفلسفة، يرمق القبر بنظرة غارقة في جدلية الوجود والعدم. وفي خروج صارخ على نواميس العزاء السوداني المألوف، شققن السديم فتيات حضرن التشييع بكبرياء صامت، ليرسمن لوحة جديدة من الحداثة تضاف إلى حكايات الراحل. وعند حافة القبر تماماً، كان “الهادي درمة” يتحرك بثيابه المرقعة كأحد زهاد أم درمان العظام، يوارى الموتى الثرى بذات الصمت المهيب الذي يلف المدينة، كأنه قادم من أزمنة أم درمان القديمة ليضع لمسته الأخيرة على جسد حادي الركب الذي صاغ سرائر السودانيين وتناقضاتهم العميقة.
الأكثر دهشة كان تجلي تلك الوجوه الصامتة الموزعة بين المشيعين؛ “مصطفى سعيد” هناك، متدثراً بمعطفه الغامض ونظرته الشاخصة نحو الشمال، يحمل في عينيه صقيع أكسفورد وسموم الهجير، وبجانبه يتسلل “المنسي” بروح الفكاهة الممزوجة بالشجن الوجودي، ذلك الكائن الخرافي الذي خلده الطيب صالح في سيرته، يعود اليوم ليقف شاهداً على رحيل صانعه. وعلى مقربة منهما، كانت تتبدى “بت محمود” بملامحها النيلية القاسية والعميقة، تلك التي اختزنت لوعة الريف وصبر نسائه على فجائع الفقد وتصاريف الزمن، تقف وعيناها ترمقان النعش بذات الصمت الذي تراقب به النساء جروف النيل وهي تتآكل تحت ضربات الهدام في مواسم الفيضان الكبرى. وإلى جانبهم يتبدى “محجوب” بخشونته وحكمته الفطرية العميقة، ووجوه “اللجنة التأسيسية” لقرية ود حامد يتهامسون خلف الأكتاف كأنهم يديرون شأن العزاء ويحسبون حساب الأيام القادمة. “بت مجذوب” كانت تقف متكئة على عصاها، تدخن غليونها الصامت وتطلق زفرات ساخرة من طقوس الأحياء، بينما يلوح من بعيد طيف “الضو البيت” كأنه وميض غامض عابر للأزمنة يتداخل مع أخيلة “بندر شاه” وأجوائه الأسطورية الغارقة في ثقل الإرث وصراعات الجدود والأحفاد، تلك الأجواء التي جعلت من القرية الكونية مسرحاً لصراع الخير والشر والبحث المستمر عن الخلاص.
وسط هذا الزحام الروائي الكثيف، صعدت تساؤلات حرى تخترق غبار المقبرة؛ هل نحن الذين نشيع الأديب، أم أن شخوصه هي التي جاءت لتوارينا نحن الثرى في مقبرتنا الكبيرة؟ زاغت عيناي بلهفة تبحث عن “الرجل القبرصي”—ذلك التجسيد الفلسفي الصارم لفكرة الموت والفناء، والرمز الكوني الذي تاه في بحار الإسكندرية وبيروت ليحط رحاله أخيراً فوق مصاطب البكري. كنت أفتش عنه في كل زاوية، معتبراً إياه الحقيقة المطلقة المكملة لهذا المشهد الجنائزي، ظناً مني أنه لو تبدى بنظرته الباردة، لأجابني فوراً عن تلك التساؤلات الحائرة حول صراع الهويات وجدلية الشرق والغرب، والتي كنت أنتوي طرحها على الشيخ الراحل قبل أن تطويه الأقدار وتغلق دونه تراب أم درمان. امتزج القبرصي بالحشد، وتداخل حسه المطلق بهدير الذاكرة المندفع من أزمنة الخريف الغابرة، غير أنني غادرت مقابر البكري وأنا موقن أن سياق الرواية لم ينقطع بوفاة كاتبها، بل غُرِس مع النخلة المستغفرة لينمو من جديد في عروق هذه الأرض المتجددة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات