المشهد السياسي الراهن (يونيو 2026)
يمكن وصف “مذكرة التفاهم” الموقَّعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بأنها بالفعل اتفاق واحد يُغلِّفه تناقض حاد في السرديات والروايات، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم مخرجات لجمهوره الداخلي وشركائه الإقليميين بما يخدم أهدافه السياسية.
لماذا “اتفاق واحد بروايتين”؟
تتجلى هذه الازدواجية في التناقض بين النص الرسمي للمذكرة وبين ما يروِّج له الخطاب السياسي في كل من واشنطن وطهران.
من منظور الرواية الأمريكية:
تُصوِّر الإدارة الأمريكية الاتفاق كأداة لـ”ضبط الردع” وإدارة الصراع بعيداً عن حرب شاملة مُكلِّفة. يركِّز الخطاب الأمريكي على أن المذكرة هي عبارة عن “إطار عمل” مؤقت (لمدة 60 يوماً) يهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية محددة، مثل وقف العمليات العسكرية، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتأجيل الملف النووي بدلاً من حسمه فوراً، مع الحفاظ على التلويح بالخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات النهائية.
من منظور الرواية الإيرانية:
تُقدِّم طهران الاتفاق داخلياً كـ”انتصار للسيادة” وكسر لمحاولات الإخضاع الأمريكي. تركِّز السردية الإيرانية على التنازلات الأمريكية (مثل رفع الحصار البحري، والإفراج عن جزء من الأموال المجمَّدة، والقبول بوضع إيران كقوة ذات شرعية)، مع التأكيد على أن المذكرة جاءت نتيجةً لصمودها العسكري و”الردع الهجومي” الذي فرضَتْه.
نقاط التباين الرئيسية
التناقض ليس فقط في الخطاب، بل في تفاصيل المخرجات التي نُسلِّط عليها الضوء:
1 ـ الأهداف: تراه واشنطن “تراجعاً إيرانياً” تحت ضغط الردع الأمريكي، بينما تراه طهران “اعترافاً أمريكياً” بمكانتها الإقليمية.
2 ـ الأموال: تروِّج طهران لحصولها على مبالغ كبيرة كدليل على كسر الحصار، بينما تُصِرُّ واشنطن على أنها “إفراج مشروط” و”آلية محدودة” مخصَّصة لأغراض محددة وليس للأغراض العسكرية.
3 ـ مستقبل التصعيد: يُهدِّد الجانب الأمريكي باستئناف الهجوم في حال عدم الالتزام ببنود المرحلة النهائية من الاتفاق، بينما تؤكِّد إيران على أن “وحدة الساحات” والجاهزية العسكرية تظل أدواتها الأساسية لحماية السيادة.
لماذا هذا التناقض؟
السبب يعود إلى أن مذكرة التفاهم لم تُعالِج القضايا الجوهرية مثل (مصير برنامج الصواريخ، ودعم الوكلاء الإيرانيين في المنطقة، والقيود الصارمة على البرنامج النووي الإيراني)، بل تم ترحيلها إلى جولات تفاوضية مستقبلية بين الجانبين. هذا “الغموض البنَّاء” في النص يمنح كلاً من ترامب والقيادة الإيرانية المساحة الكافية لتفسير الاتفاق بالطريقة التي تُناسب قواعدهما الشعبية وتُجنِّبهما اتهامات “التنازل”.
المحصلة النهائية
المذكرة هي عبارة عن هدنة هشَّة ناتجة عن إدراك متبادل بأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت تفوق المكاسب المحتملة، ولكنها تظل “استراتيجية على حافة الهاوية” حيث يحتفظ كل طرف بمواقفه العدائية وكل منهم جاهز للعودة إلى الواجهة في حال اختل ميزان التوقعات.
بقلم: عميد شرطة (حقوقي) م. محمد علي عبدالله عبد الدائم
