في السياسة السودانية لا تحدث الحملات المنظمة بمعزل عن السياق العام، ولا يمكن فهم التصعيد الإعلامي ضد أي جهة أو شخصية عامة بعيداً عن موقعها في معادلة القوة والنفوذ. ومن هذا المنطلق، فإن الهجمة المتصاعدة التي تستهدف القوات المشتركة، بالتوازي مع الهجوم المستمر على وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، تستدعي قراءة تتجاوز ظاهر الأحداث إلى ما وراءها من حسابات سياسية واستراتيجية ترتبط بمستقبل السودان أكثر مما ترتبط بواقعه الراهن.
وقبل المضي في هذه القراءة، أؤكد أنها ليست دفاعاً عن القوات المشتركة، فليس لي أي انتماء إليها، كما أنها ليست دفاعاً عن الدكتور جبريل إبراهيم، إذ لا تربطني به معرفة سابقة. إنما هي محاولة لقراءة المشهد السوداني بقدر من الحياد والموضوعية، انطلاقاً من متابعة الشأن العام وتحليل الوقائع في سياقاتها السياسية بعيداً عن مواقف الأنصار والخصوم.
فمنذ اندلاع الحرب، شهدت الساحة السودانية تحولات عميقة في موازين القوى. أطراف كانت تُصنف في خانة الفاعلين الثانويين أصبحت تمتلك تأثيراً مباشراً في مجريات الأحداث، بينما تراجعت أدوار قوى ظلت لعقود تحتكر المشهد السياسي والإعلامي. وفي خضم هذه التحولات برزت القوات المشتركة كقوة عسكرية فاعلة، لا سيما في دارفور وبعض مسارح العمليات الأخرى، الأمر الذي منحها وزناً يتجاوز حدود الدور العسكري التقليدي.
هذا الصعود لم يكن محل ترحيب من جميع الأطراف. فالتاريخ السياسي السوداني يكشف أن أي قوة تقترب من دائرة التأثير الحقيقي تصبح هدفاً لحملات التشكيك والاستهداف. لذلك لا يبدو مستغرباً أن تتعرض القوات المشتركة لهجوم متواصل يسعى أحياناً إلى التقليل من أدوارها العسكرية، وأحياناً أخرى إلى تصويرها باعتبارها عبئاً على المشهد الوطني، رغم أن كثيراً من الانتقادات تتجاهل الظروف المعقدة التي نشأت فيها هذه القوة وطبيعة المهام التي تقوم بها.
وفي المقابل، يأتي استهداف الدكتور جبريل إبراهيم في سياق لا ينفصل عن هذه المعادلة. فالرجل لا يشغل منصب وزير المالية فحسب، بل يمثل أحد أبرز الوجوه السياسية القادمة من دارفور، كما يقود حركة سياسية وعسكرية تمتلك حضوراً مؤثراً في المشهد السوداني. ولذلك فإن التعامل معه بوصفه مجرد مسؤول اقتصادي يختزل جانباً كبيراً من الصورة.
صحيح أن وزارة المالية تُعد من أكثر المؤسسات عرضة للانتقاد في أي دولة تعاني أزمات اقتصادية، لكن حالة السودان تختلف عن النماذج التقليدية. فالاقتصاد السوداني يعمل تحت وطأة حرب واسعة النطاق، وانهيار في البنية الإنتاجية، وتراجع الإيرادات العامة، واضطراب الأسواق، ونزوح الملايين، وهي عوامل تجعل أي وزير مالية يعمل في ظروف استثنائية وغير مسبوقة. ومع ذلك، فإن جزءاً من الهجوم على جبريل لا يركز على السياسات الاقتصادية بقدر ما يركز على شخصه وموقعه السياسي وانتمائه وتحالفاته.
ومن اللافت أن بعض الخطابات الإعلامية والسياسية تتعامل مع القوى المنحدرة من دارفور بمعايير تختلف عن تلك التي تُطبق على غيرها. فعندما تحقق هذه القوى حضوراً أو نفوذاً يُعاد طرح الأسئلة حول شرعيتها ودورها ومستقبلها، بينما يتم التغاضي عن ممارسات مشابهة لدى قوى أخرى. وهذا ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن جانباً من الهجوم الحالي يرتبط بالصراع حول إعادة تشكيل مراكز النفوذ في السودان أكثر من ارتباطه بالنقد الموضوعي للأداء.
كما أن اقتراب الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب يفسر جانباً مهماً من هذه الحملات. فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة حول من يمتلك الحق في الجلوس على طاولة المستقبل. ومن الطبيعي في مثل هذه اللحظات أن تبدأ محاولات إضعاف الخصوم سياسياً وإعلامياً قبل الوصول إلى مرحلة التسويات النهائية. ولذلك فإن استهداف القوات المشتركة أو قياداتها السياسية يمكن قراءته باعتباره جزءاً من صراع مبكر حول ملامح السودان القادم.
وإذا كانت الحروب تُخاض بالسلاح في الميدان، فإنها تُخاض كذلك بالروايات والصور الذهنية في المجال الإعلامي والسياسي. لذلك تبدو بعض الحملات وكأنها محاولة استباقية لإعادة تعريف الفاعلين المؤثرين في الوعي العام، بحيث يتم تقليص رصيدهم السياسي قبل الانتقال إلى مرحلة التسويات وإعادة توزيع الأدوار. وهي ظاهرة ليست جديدة في التجارب الانتقالية، حيث يتحول الإعلام إلى ساحة موازية للصراع على الشرعية والتمثيل والنفوذ.
غير أن هذه القراءة لا تعني منح حصانة لأي جهة من النقد أو المساءلة. فالدول لا تُدار بالعواطف، والقوى العسكرية والسياسية جميعها مطالبة بتقديم كشف حساب للرأي العام. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يهدف إلى التصحيح والإصلاح، وبين الحملات التي تنطلق من دوافع الإقصاء السياسي أو الرغبة في منع خصم معين من التحول إلى شريك مؤثر في المستقبل.
إن المتأمل في المشهد السوداني يلاحظ أن الصراع الحقيقي لم يعد يدور فقط حول من ينتصر في الحرب، بل حول من يرث نتائجها سياسياً. ولذلك فإن كثيراً من المعارك الإعلامية الجارية اليوم ليست سوى مقدمات لمعركة أكبر تتعلق بإعادة توزيع السلطة والنفوذ بعد توقف القتال.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الهجوم على القوات المشتركة والدكتور جبريل إبراهيم يعكس حالة القلق التي تعيشها بعض القوى السياسية من التحولات الجارية في موازين القوة داخل السودان. فكلما اقتربت البلاد من مرحلة جديدة، اشتدت محاولات التأثير على صورة اللاعبين الرئيسيين في الوعي العام. ولهذا فإن فهم هذه الحملات يتطلب النظر إليها باعتبارها جزءاً من صراع سياسي مفتوح على مستقبل الدولة السودانية، لا مجرد خلافات عابرة حول الأداء أو المواقف.
ويبقى السؤال الأهم: هل الهدف هو تقويم الأداء وتصحيح المسار، أم إعادة رسم الخريطة السياسية عبر إضعاف بعض الفاعلين وإقصائهم من معادلة المستقبل؟ الإجابة عن هذا السؤال قد لا تكون متاحة اليوم بصورة كاملة، لكن المؤكد أن معركة السودان لم تعد تدور في ساحات القتال وحدها، بل انتقلت أيضاً إلى ميدان الرأي العام، حيث تتنافس القوى المختلفة على تشكيل وعي الناس وصناعة شرعية المرحلة المقبلة.
،،، تحياتي ،،،
