الأربعاء, يونيو 24, 2026
الرئيسيةمقالاتأمدرمان الأمس حلم سيعود. محمود الشين و...

أمدرمان الأمس حلم سيعود. محمود الشين و عودة الألق المتجدد بقلم/ عماد الدين هارون عبدالماجد

    أضافة نوعية متفردة . تحمل معاني التمييز في أبهى صوره يمثلها كتاب (أمدرمان الأمس حلم سيعود)  للكاتب الصديق محمود الشين ضمن سلسة إنجازاته والتي اقل ما توصف به أنها مبهرة و مدهشة .
فعبر هذا السفر القيم الأنيق يصطحبنا الكاتب في رحلة  في أعماق عوالم الفن والإبداع و الحياة الإجتماعية و الحركة الثقافية و عبق الأمكنة و ألق  الشخوص  التي شكلت روح تلك البقعة من أرض الوطن .... 
     أمدرمان ... عبقرية المكان و عبر التكوين و مغزى التمازج و عبير الإبداع و أصالة القيم و بساطة الانسان ... يسوح بنا الكاتب و شلة من أصدقاءه المبدعين من رواد مركز شباب أمدرمان ذلك الصرح الذي رفد الساحة الثقافية والادبية في بلادنا بقامات سامقة و نجوم  زواهر  .
   في هذا التطواف   إستطاع الكاتب من خلال لغة سهلة و عميقة و اسلوب جزل أن يتنقل بنا في مراتع الحياة الامدرمانية و التي شكلت على مدى التاريخ السوداني عنوانا للتعبير البريءعن وحدة مجتمعناو خلاصة لأنصهار الثقافات السودانية و مورداً و ملهماً لها و مرتكزاً أساسيا في كتابة فصول تاريخنا النضالي والثقافي والاجتماعي .

والكتاب رحلة تطواف ممتع و شييق في ربوع و معالم أمدرمان (الاماكن و الاشخاص) …. صروح للإبداع و الالتقاء الاجتماعي والثقافي والعمل الوطني ….شعراء و مبدعون قدموا أروع التجارب الشعرية والفنية والادبية ….. صناع أمجاد قدموا اقوى نماذج العمل الوطني المتجرد من أجل التحرر و الاستقلال …. قادة مجتمع صنعوا من عطائهم في ميادين الرياضة والاقتصاد و العمل الاجتماعي تجارب ارست دعائم البناء الحضاري السوداني .
لقد قادنا محمود الشين بالمفردة الأنيقة و الوصف المبدع الدقيق و التأمل العميق الواعي الي ان نقرأ في تاريخنا الثقافي والاجتماعي صفحات يجهلها الكثير منا أو لم تقرأ كما ينبغي .. كيف ان البقعة المباركة التي تشكل منها الوجدان القومي و إنطلق منها صوت السودان و رسالته كانت مزيجاًرائعاً إلتقت فيه كل تنوعات المشارب الثقافية (إتجاهاتها و أجناسها ) و كل مكوناتها لكنها ألغت كل ألوان التصنيف لتحل محلها المدالرس الفكرية والتيارات الادبية و المهنية و الاندية الوطنية الجامعة و الألوان الرياضية فتسامت عما سواها من إنتماءات .
هذا الكتاب يتجاوز الوصف كمنتج أدبي و كمساهمة أدبية وفنية من الكاتب الي كونه رسالة متكاملة لإعادة أكتشاف الذات الثقافية بعواملها الجامعة و الذات الوطنية بقيمها المتجذرة و الذات الاجتماعية بقيمها المتفردة……
حتي نعيد قراءة الواقع الراهن و نتزود من عبرة ذلك الماضي بعمقه الثقافي و نلتمس سبيل التعافي و الخروج من أفخاخ واقعنا الماثل
بقى ان نشير أن جملة خلاصات و عبر و دروس من تطواف هذا الكتاب تستحق الوقوف عندها : إذ أنها تشكل مادة مهمة لحواراتنا و نحن نتلمس طريقنا نحو التعافي والاستشفاء الوطني لان الانفصال عن تجارب الماضي ظل واحداً من نقاط ضعف كل الوصفات التي أعدت سابقاً و أكاد أجمل هذه الخلاصات في :
التاريخ المتفرد لأمدرمان كنموذج للإلتقاء الاجتماعي المتميز الذي اكسبها طعماً و معنى ما كان له أن يكون كذلك إلا لأنه جعل العوامل الثقافية أعلى حضوراً و اسهاماً عما سواها فتأصلت فيها بتلقائية سهلة متجردة قيم التعايش والتراضي
إحياء التراث الثقافي السوداني و ربط الاجيال الحالية به هو أمر غاية في الأهمية لأستلهام قيم ذلك الماضي و لحماية الذوق العام و الصياغة القيمية و استشعار المشتركات الجامعة
ضرورة دعم و احياء الحراك الثقافي والاجماعي للأندية و المراكز الشبابية لما لها من دور كبير في ما نصبو إليه من انتقالنحو أعلاء القيم الوطنية و استدعاء المضامين الراقية التي قامت عليها مجتمعاتنا سابقاً و كذلك الاهتمام بالابداع والمبدعين من الاجيال الصاعدة
و من اهم الخلاصات المستفادة من هذه السياحة المعرفية في هذا الكتاب ما اشار إليه الكاتب من ضرورة اشراك المجتمعات في التخطيط لمستقبل المدن و حاضرها إذ ان برامج التخطيط والتنمية التي تاتي معذولة عن المجتمعات المستفيدة تواجه بتعقيدات مستقبلا كما تفتقد عنصر الحراسة المجتمعية و مراعات خصائص المكان و عناصر أخرى مهمة أولى بالاستصحاب
ان محاورة الاجيال الصاعدة تشكل أكبر التحديات أمامنا حتى لانتركها اسيرة الانبهار بالقادم والوارد و يقصى عن تكوينها النفسي والثقافي الموروث الادبي والفني والوجداني الذي كان الي حد كبيرعاصماً للأجيال السابقة من الفرقة و التشظي و ملهما للثورة على أي اوضاع تبتعد عن مضامين القيم الاساسية ( الحق – الجمال – الخير ) و ان يحفزهم على اكتشاف القيم الجمالية المبدعة في التراث الثقافي السوداني في مقابل الغثاء الذي يملأ الساحة اليوم
إن مهمة التوثيق للتراث الفني و الثقافي السوداني عموما ما تزال لم ينجز منها ما هو مأمول ، فما تزال الشفاهية هي الغالبة و التدوين متأخر الي حد كبير و هو ما يتطلب جهداَ كبيرا من الجميع لان الاجيال القادمة لها حق المعرفةلذلك التراث فهو مدرسة يتعلمون منه الكثير و تكتسبون منها الاكثر
إن الوفاء للرموز الوطنية والمنارات الابداعية التي صاغت تاريخنا المعاصر و غذت ساحات العطاء المختلفة ما يزال بحاجة الي مراجعة و ما يزال ما يتم تجاههم متواضعاً بل يقرب من الجحود
إن منهج التعبير عن التنوع الثقافي في السياسات الرسمية ما يزال بعيداً عن الوضع المطلوب و ماهو متبع في ذلك لايزال يهدد بالانفجار في اي لحظة نظرا لتداخل المعطيات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية بعد تعقيدات كثيرة شهدتها البلاد مؤخرا فالسياسات الاعلامية والثقافية أحوج لما تكون لمراجعة شاملة لانها سكتسبنا الكثير و تجنبنا الكثير .
هنيئاً للمكتبة السودانية و هي تستقبل هذه الاضافة المتفردة و هنيئاً لأمدرمان و هي تتهيأ لأستقبال هذا المولود الذي سيكون له دوره في إعادة قراءة كثير من دفاتر الماضي و تصويب الكثير من اوراق الجاضر حتى يكون المستقبل زاهراً
و كما كان محمود والشلة على عجل من امرهم لحضور منتدى الشاعر حسن الزبير بمركز شباب أمدرمان فها نحن على عجل من أمرنا ايضا بتوقيع هذا السفر القيم في مركز امدرمان الثقافي مساء الخميس الاخير من يونيو 2026 (و حتما الأمس ، الحلم ، سيعود و تعود أمدر أحلى و أطيب ).

عماد الدين هارون عبدالماجد
أمدرمان 25 يونيو 2026

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات