الأربعاء, يونيو 24, 2026
الرئيسيةمقالاتضبط الشراكة الوطنية في معركة الوجود. ...

ضبط الشراكة الوطنية في معركة الوجود. بقلم/ د. اسماعيل الحكيم


تمر بلادنا بمرحلة تاريخية مفصلية، تتطلب من الجميع أعلى درجات اليقظة وتغليب الحكمة وسعة الأفق. وفي هذا الظرف الاستثنائي الذي تتوحد فيه السواعد لحماية كيان الدولة، تأتي الحادثة الأخيرة التي وقعت في ولاية البحر الأحمر بين قوة من “القوات المشتركة” وأفراد من شرطة مكافحة المخدرات، لتطرح علامات استفهام تستوجب الوقوف عندها؛ لا لفتح باب الخصومة والشقاق، ولكن من أجل التقويم والإصلاح، وصيانة الجبهة الداخلية من أي تصدع.
إن القوات المشتركة، الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان، سطرت بدمائها وتضحياتها صفحات مشرفة منذ أن انحازت لجانب الشرعية، واختارت الوقوف في خندق القوات المسلحة الموحد. إن كسبها الميداني في ثغور العزة والكرامة حقيقة لا ينكرها إلا جاهد، وهو عطاء يحظى بكل التقدير والإجلال من كافة أبناء الشعب السوداني.
غير أن هذا الرصيد النضالي العظيم، وهذه الرفقة المقدسة في معركة الوجود، هما الدافع الأكبر الذي يجعلنا ننظر بأسف وقلق لأي احتكاك بين رفقاء السلاح وحماة الثغور، وبين الأجهزة الشرطية والعدلية ، فكلتا القوتين تمثلان ضلعين أساسيين في جسد الدولة الواحد.
إن النصر الحقيقي لا يتحقق فقط بحسم المعارك على خطوط النار، وإنما بحماية السلم الأهلي واستقرار المؤسسات في المناطق الخلفية، فالأمن كلٌ لا يتجزأ.”
لقد فرضت طبيعة العمليات الحربية وجود بعض القوات المساندة في عواصم الولايات الآمنة، وهو وجود تمليه ضرورات التنسيق والإسناد. إلا أن هذا التواجد، وحتى يحافظ على رمزيته الإيجابية، يجب أن يكون محكوماً بضوابط صارمة تمنع تقاطع الصلاحيات أو الانزلاق نحو التجاوزات.
وإن ترك الأمور دون تحديد دقيق للواجبات قد يفسر خطأً بإرخاء الحبل على الغارب ، وهو ما لا نرتضيه لقواتنا المشتركة التي نريد لها دائماً أن تكون نموذجاً في الانضباط والالتزام بحدود مهامها الموكلة إليها، احتراماً للأجهزة السيادية الأصيلة كشرطة مكافحة المخدرات، التي تذود عن أمن المجتمع وعقول شبابه في معركة لا تقل ضراوة عن معارك الميدان.
إن الوفاق لا يعني التغاضي عن الأخطاء، بل يعني امتلاك الشجاعة لمواجهتها ومعالجتها بروح الأخوة والمسؤولية. ومن هذا المنطلق، نرى أن احتواء تداعيات حادثة البحر الأحمر يتطلب مقاربة إصلاحية شاملة ترتكز على محاور ثلاثة:
أولاً: المعالجة القانونية والمحاسبة الفردية: إن إخضاع المتجاوزين للمحاسبة العادلة ليس إضعافاً للقوات المشتركة، إنما هو تنقية لصفوفها وحماية لإرثها وتضحياتها من تصرفات فردية لا تعبر عن عقيدتها الوطنية.
ثانياً: مراجعة وتفعيل مصفوفة الواجبات: نداء نوجهه للقيادة العسكرية لإعادة تنظيم وضبط مهام القوات المساندة في المناطق الآمنة والبعيدة عن مناطق القتال، ووضع بروتوكولات تنسيق واضحة تضمن تكامل الأدوار دون أدنى تداخل مع سلطات الشرطة والأمن الداخلي.
ثالثاً: تعزيز روح الزمالة الوطنية: إطلاق برامج توجيهية ومعنوية مشتركة بين أفراد الشرطة والقوات والتشكيلات العسكرية المساندة، لترسيخ وحدة الهدف، والتأكيد على أن الجميع شركاء في معركة واحدة وإن تباينت مواقعهم.
إننا في هذه المرحلة الحرجة، أحوج ما نكون إلى رص الصفوف وسد الثغور ، فالعدو المتربص بالبلاد لا يفرق بين جندي في الجيش، أو مقاتل في القوات المشتركة، أو شرطي في مكافحة المخدرات. إن إرساء مبدأ سيادة القانون وتجديد ضوابط العمل العسكري والمدني هو صمام الأمان الذي يحمي تضحياتنا، ويضمن لنا العبور نحو سودان آمن، مستقر، ومحكوم بالمؤسسات، حيث يعلو صوت القانون والعدالة فوق كل صوت.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات