قبل ثلاثة أيام فقط قمت بإعداد قائمة أسعار للسلع التي توزعها الشركة التي أعمل بها، وتم رفعها للعملاء تمهيداً لاستئناف عمليات التوزيع يوم الأحد. وفي صبيحة الأحد فوجئت بأن القائمة كلها أصبحت غير صالحة، وأن الأسعار قد تغيرت بصورة دراماتيكية.
ثلاثة أيام فقط كانت كافية لابتلاع الأرقام القديمة وصناعة واقع جديد أكثر قسوة على المواطن والتاجر والمنتج.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل هذا سوق طبيعي؟ وهل توجد دولة في العالم يمكن أن يستمر فيها هذا الانفلات دون تدخل حاسم؟
إن ما يحدث لم يعد مجرد ارتفاع في الأسعار، بل أصبح انهياراً اقتصادياً مخيفاً يهدد الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي، ويضع ملايين السودانيين في مواجهة يومية مع الجوع والعجز واليأس.
الموظف لم يعد قادراً على ملاحقة الأسعار.
وصاحب الدخل المحدود أصبح عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية.
والتاجر نفسه أصبح ضحية لحالة عدم اليقين، فلا يستطيع التسعير ولا التخطيط ولا الالتزام مع عملائه.
إن أخطر ما في الأزمة أنها لم تعد تضرب الفقراء وحدهم، بل بدأت تضرب الطبقة الوسطى والتجار والمنتجين، وهي الطبقات التي تقوم عليها أي عملية تنموية.
وأمام هذا المشهد المؤلم يحق للمواطن أن يسأل:
أين الحكومة؟
وأين الأجهزة الاقتصادية؟
وأين الجهات الرقابية؟
وأين السياسات التي تحمي قيمة العملة وتحفظ استقرار الأسواق؟
إن الحكومة التي تعجز عن ضبط السوق ومواجهة الانفلات الاقتصادي لا يجوز لها أن تكتفي بإصدار البيانات والتصريحات، لأن معاناة الناس لا تُدار بالكلمات، وإنما بالقرارات الجريئة والإجراءات الحاسمة.
كما أن المضاربين وتجار الأزمات يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية. فليس من الوطنية أن تتحول معاناة المواطنين إلى فرصة لتحقيق الأرباح الفاحشة، وليس من الأخلاق أن يصبح الجوع سلعة للمضاربة والاحتكار.
ويتحمل الفاسدون كذلك مسؤولية مباشرة، لأن الفساد يرفع تكلفة كل شيء، ويبدد الموارد، ويقوض الثقة في الدولة، ويمنح المتلاعبين فرصة العبث بقوت الناس ومستقبلهم.
إن استمرار هذا الوضع ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل هو تهديد حقيقي للوطن كله. فالجائع لا يفكر في الاستثمار، واليائس لا يفكر في البناء، والمواطن الذي يفقد قدرته على تأمين أساسيات الحياة يفقد تدريجياً ثقته في كل المؤسسات.
ولذلك فإن المسؤولية الوطنية تفرض التحرك العاجل قبل أن يصل الأمر إلى مرحلة يصعب تداركها.
إن إيقاف هذا النزيف يتطلب إجراءات عملية وشجاعة، من أهمها:
أولاً: إعلان حالة طوارئ اقتصادية تتعامل مع استقرار الأسعار باعتباره قضية أمن قومي.
ثانياً: تشديد الرقابة على الأسواق وملاحقة المضاربين والمحتكرين والمتلاعبين بالأسعار وسعر الصرف.
ثالثاً: توحيد الجهود بين وزارة المالية وبنك السودان والأجهزة الأمنية والقطاع الخاص لوضع سياسات عاجلة لوقف الانهيار.
رابعاً: توفير السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج وتسهيل حركة التجارة والنقل حتى لا تتحول ندرة السلع إلى وقود جديد لارتفاع الأسعار.
خامساً: مكافحة الفساد المالي والإداري بكل حزم، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى في بيئة يسودها الفساد وانعدام الشفافية.
سادساً: إنشاء آلية دائمة لرصد الأسعار وإعلانها بشفافية حتى لا يبقى المواطن ضحية للشائعات والمضاربات.
إن الشعوب تستطيع أن تتحمل المشقة إذا شعرت بأن هناك دولة تحميها وتتحرك لمعالجة أزماتها. لكنها لا تستطيع أن تتحمل الإحساس بالعجز واللامبالاة.
إن السودان يمر بلحظة اقتصادية بالغة الخطورة، ولا مجال للمجاملات أو تبادل الاتهامات أو إدارة الأزمة بعقلية ردود الأفعال.
فالأوطان لا تنهار فجأة، وإنما تنهار عندما يصبح ارتفاع الأسعار خبراً عادياً، وعندما يعتاد المسؤولون على معاناة الناس، وعندما يتحول الجوع إلى رقم في التقارير.
وما زال الوقت متاحاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن ذلك يتطلب قيادة تتحمل مسؤوليتها، وسوقاً يخضع للقانون، ومجتمعاً يرفض المضاربة والفساد، وإرادة وطنية تضع حياة المواطن وكرامته فوق كل اعتبار.
رسالة المقال: “حين تتغير الأسعار في ثلاثة أيام فقط، فالمشكلة لم تعد في جيوب المواطنين، بل في إدارة الاقتصاد نفسه. وحين يصبح الرغيف والدواء والسلع الأساسية أحلاماً بعيدة المنال، فإن إنقاذ المواطن يصبح واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل.”
