السبت, يونيو 20, 2026
الرئيسيةمقالاتمن ثقافة الشكوى إلى ثقافة المبادرة ...

من ثقافة الشكوى إلى ثقافة المبادرة بقلم / عبدالقادر عمر محمد عبدالرحمن

من السهل أن نشكو.
من السهل أن نتحدث عن تردي الخدمات، وضعف الاقتصاد، وتراجع التعليم، وانتشار البطالة، وتدهور البنية التحتية.
ومن السهل أيضاً أن نعدد الأخطاء والإخفاقات ونلقي اللوم على الحكومات والظروف والأشخاص.
لكن السؤال الذي يجب أن يواجه كل واحد منا هو: ماذا بعد الشكوى؟
إن الشكوى، مهما كانت مبررة، لا تبني مدرسة، ولا تعبّد طريقاً، ولا توفر فرصة عمل، ولا تنتج رغيف خبز، ولا تصنع مستقبلاً.
فالشكوى تشخص المشكلة، لكنها لا تقدم الحل.
والمجتمعات لا تنهض بكثرة من يتحدثون عن الأزمات، وإنما بكثرة من يتحركون لمعالجتها.
لقد أصبحنا في كثير من الأحيان أسرى لثقافة الشكوى.
نشكو من ضعف الإنتاج ونحن لا ننتج بالقدر المطلوب.
ونشكو من البطالة بينما نهمل فرص العمل الصغيرة والمبادرات الفردية.
ونشكو من القصور في الخدمات العامة، لكننا نتردد في تنظيم أنفسنا للمساهمة في تحسين واقع مجتمعاتنا.
ونشكو من الفساد، بينما نتسامح أحياناً مع الممارسات الخاطئة عندما تخدم مصالحنا الشخصية.
وهنا تكمن المشكلة.
فالشكوى إذا لم تتحول إلى فعل تصبح نوعاً من الاستسلام المقنع.
أما المبادرة فهي بداية التغيير الحقيقي.
المبادرة أن يرى الإنسان مشكلة ويسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أفعل؟
المبادرة أن يفكر الشباب في إنشاء مشروع منتج بدلاً من انتظار الوظيفة.
وأن يبادر أهل الحي إلى نظافة منطقتهم وصيانة مرافقها بدلاً من الاكتفاء بالانتقاد.
وأن يتطوع أصحاب الخبرات لتدريب الشباب ونقل المعرفة إليهم.
وأن يساهم رجال الأعمال في دعم مجتمعاتهم، وأن تدعم الجامعات ومراكز البحوث قضايا التنمية، وأن تتحول منظمات المجتمع المدني إلى أدوات للعمل لا مجرد منصات للحديث.
إن الفرق بين الأمم المتقدمة والمتأخرة ليس أن الأولى تخلو من المشكلات، بل أنها تمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتحويل الأزمات إلى دوافع للعمل والابتكار.
فكل مشروع ناجح بدأ بفكرة.
وكل فكرة بدأت بمبادرة.
وكل مبادرة بدأت بشخص رفض أن يكتفي بالشكوى.
إن السودان لا ينقصه الذكاء ولا الموارد ولا الطاقات البشرية.
بل إن ما ينقصه أكثر من أي شيء آخر هو انتشار روح المبادرة.
نحتاج إلى جيل لا يسأل فقط: من المسؤول؟
بل يسأل أيضاً: ما هو دوري؟
جيل لا ينتظر الفرص، بل يصنعها.
ولا ينتظر التغيير، بل يبدأه من نفسه ومن بيته وحيه ومكان عمله.
إن أعظم التحولات في التاريخ بدأت بأشخاص عاديين قرروا أن يتحولوا من متفرجين إلى فاعلين، ومن ناقدين إلى مبادرين، ومن باحثين عن الأعذار إلى صناع للحلول.
واليوم يحتاج السودان إلى هذه الروح أكثر من أي وقت مضى.
روح تؤمن أن الوطن ليس مشروع حكومة وحدها، بل مشروع شعب بأكمله.
وأن نهضة السودان لن تأتي من كثرة الشكوى، مهما كانت مبرراتها، وإنما ستأتي يوم يتحول ملايين السودانيين إلى أصحاب مبادرات صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يجمع بينها هدف واحد:
أن يكون كل واحد منا جزءاً من الحل، لا مجرد شاهد على المشكلة.
رسالة المقال:
“قد لا نستطيع تغيير كل شيء في يوم واحد، لكننا نستطيع أن نبدأ اليوم بخطوة صغيرة. فالأوطان العظيمة لم يبنها المشتكون، وإنما بناها المبادرون.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات