الإثنين, يونيو 15, 2026
الرئيسيةمقالاتالجنقو والجنقو بروماكس… الوجه الآخر للعنصرية السودانية الناعمة في منافي أوروبا

الجنقو والجنقو بروماكس… الوجه الآخر للعنصرية السودانية الناعمة في منافي أوروبا

الاستاذ / زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي

أعادت أحداث بلفاست الأخيرة في بريطانيا فتح واحدة من أكثر القضايا السودانية حساسية وتعقيداً؛ قضية العنصرية الناعمة وإشكالية الهوية داخل المجتمع السوداني، لكن هذه المرة ليس داخل السودان، بل في منافي أوروبا.
فبعد حادثة الطعن التي اتُّهم فيها لاجئ سوداني، وما تبعها من احتجاجات وأعمال عنف استهدفت المهاجرين، انفجرت داخل الفضاء السوداني الإلكتروني موجة واسعة من النقاشات الحادة، خاصة عبر فيديوهات متداولة على منصة تيك توك، ظهر فيها بعض السودانيين وهم يستخدمون توصيفات مثل “الجنقو” و”الجنقو بروماكس” و”الرائعين”، في محاولة لتفسير ما حدث أو التبرؤ منه بصورة غير مباشرة.
ومن المهم هنا توضيح الخلفية الاجتماعية لهذه المصطلحات كما يجري تداولها وسط بعض السودانيين في المنافي الأوروبية.
فمصطلح “الجنقو” أصبح يُستخدم بصورة دارجة للإشارة إلى السوداني الذي وصل إلى أوروبا عبر طرق الهجرة غير النظامية، خاصة عبر البحر أو ما يعرف شعبياً بـ”السنبك”، بما تحمله هذه الرحلة من معاناة ومخاطر وظروف قاسية.
أما مصطلح “الجنقو بروماكس”، فهو توصيف ساخر ظهر لاحقاً للإشارة إلى السوداني الذي وصل إلى أوروبا بالطيران أو عبر الطرق القانونية المنظمة، ويحاول أحياناً التمايز عن الفئة الأولى باعتبار نفسه أكثر “تحضراً” أو “ترتيباً” أو قبولاً اجتماعياً.
ورغم أن هذه المصطلحات تُطرح أحياناً في إطار ساخر أو شبابي، إلا أنها في حقيقتها تكشف عن أزمة اجتماعية وثقافية أعمق بكثير؛ أزمة تقوم على التصنيف غير المعلن بين السودانيين أنفسهم، وعلى وجود شعور خفي بالتفوق الاجتماعي أو الثقافي لدى بعض الفئات تجاه فئات أخرى.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن المشكلة ليست في طريقة الوصول إلى أوروبا بحد ذاتها، فالهجرة غير النظامية كثيراً ما تكون نتيجة الحروب والفقر وانسداد الأفق، وليست خياراً ترفيهياً أو دليلاً على نقص إنساني أو أخلاقي.
كما أن الوصول عبر الطرق القانونية لا يمنح صاحبه قيمة إنسانية أعلى من غيره.
لكن الأزمة تبدأ حين تتحول هذه الفوارق الظرفية إلى معايير للتصنيف الاجتماعي والاستعلاء المتبادل.
في السودان، ظلت العنصرية غالباً تمارس بصورة ناعمة وغير مباشرة؛
عنصرية اللون، وعنصرية القبيلة، وعنصرية الجغرافيا، وعنصرية اللهجة، بل وحتى عنصرية المهنة والمظهر وطريقة الحديث.
وكان كثير من الناس يتعاملون معها باعتبارها “مزاحاً اجتماعياً” أو جزءاً عادياً من الثقافة اليومية، بينما هي في الحقيقة تعكس اختلالاً عميقاً في مفهوم المواطنة والمساواة.
لكن حين انتقل السودانيون إلى أوروبا، حملوا معهم هذه التراكمات النفسية والاجتماعية دون مراجعة حقيقية.
ولهذا، وعند أول أزمة كبيرة، ظهرت الانقسامات سريعاً إلى السطح.
فبدلاً من أن يكون النقاش منصباً حول رفض الجريمة باعتبارها فعلاً فردياً، أو حول إدانة استهداف الجاليات المهاجرة بصورة جماعية، انشغل البعض بمحاولة تحديد:
من هو السوداني الذي يشبه “صورتنا المقبولة”؟
ومن هو السوداني الذي يمكن التضحية به أو التبرؤ منه لحماية تلك الصورة؟
وهنا تكمن خطورة ما يسمى بالعنصرية الناعمة؛
فهي لا تعلن نفسها بصورة مباشرة، لكنها تظهر في طريقة التصنيف والسخرية والتمييز الضمني بين الناس.
إن توصيفات مثل “الجنقو” و”الجنقو بروماكس” ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي انعكاس لتحولات اجتماعية يعيشها السودانيون اليوم، خاصة مع موجات اللجوء والهجرة الواسعة التي أفرزتها الحرب.
فقد أصبح هناك صراع خفي حول من يمثل “السوداني الراقي” ومن يمثل “السوداني المزعج”، وهي ثنائية خطيرة لأنها تعيد إنتاج نفس عقلية المركز والهامش ولكن داخل المجتمعات المهاجرة هذه المرة.
والمفارقة أن المجتمع الأوروبي، خاصة اليمين المتطرف، لا يرى هذه الفوارق الداخلية أصلاً.
ففي لحظة الغضب أو العنصرية يصبح الجميع “مهاجرين” أو “سوداً” أو “لاجئين”، دون أي اهتمام بتفاصيل التصنيفات السودانية الداخلية.
وهنا يكتشف البعض متأخراً أن محاولات التمايز الطبقي أو الثقافي لا تحميهم من النظرة العنصرية الخارجية.
لقد كشفت بلفاست شيئاً مهماً جداً:
أن السودان لم ينجح بعد في بناء هوية وطنية متماسكة تتجاوز القبيلة واللون والطبقة والجهة.
ولهذا تنتقل أزماتنا معنا أينما ذهبنا، حتى إلى المجتمعات التي يفترض أننا لجأنا إليها هرباً من الحرب والانقسام.
كما كشفت الأحداث أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات ترفيه، بل أصبحت مرآة حقيقية للوعي الجمعي السوداني؛
ففي لحظات الأزمات تسقط الأقنعة سريعاً، ويظهر المخزون الحقيقي من الأفكار والتصورات الكامنة داخل المجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودانيين في المنافي ليس فقط العنصرية الأوروبية، بل أيضاً استمرارهم في ممارسة العنصرية ضد بعضهم البعض بصورة ناعمة أو ساخرة أو مموهة بالمزاح.
لأن الشعوب التي تفشل في بناء مساواة داخلية حقيقية، تجد نفسها دائماً عاجزة عن مواجهة نظرة الخارج إليها بصورة موحدة.
وربما كانت جريمة بلفاست، بكل قسوتها، مجرد مرآة عكست للسودانيين صورتهم الداخلية كما هي؛
صورة شعب ما زال يبحث عن تعريف جامع لنفسه، وما زال عاجزاً عن الإجابة على سؤال بسيط لكنه مؤلم:
هل نحن متساوون فعلاً، أم أننا فقط نختلف في درجات الاستعلاء؟
                      ،،، تحياتي ،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات