الأحد, يونيو 14, 2026
الرئيسيةمقالاتالوقود والدولار في السودان: من انهيار صادرات النفط إلى فجوة 3.8 مليار...

الوقود والدولار في السودان: من انهيار صادرات النفط إلى فجوة 3.8 مليار دولار… هل يعالج احتكار الاستيراد الأزمة أم يكتفي بإدارة الأعراض؟ تحليل: أبوعبيده أحمد سعيد محمد

تحليل: أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
في السودان، لا يمكن فهم أزمة الوقود بمعزل عن صورة الاقتصاد الكلي. فالمعادلة الأساسية تبدو مختلة منذ البداية: صادرات لا تتجاوز نحو 3.1 مليار دولار في المتوسط مقابل واردات تصل إلى حوالي 6.5 مليار دولار، أي بفجوة تمويل خارجي تقارب 3.8 مليار دولار سنويًا. هذه الفجوة ليست رقمًا محاسبيًا، بل هي ما يفسر الضغط المستمر على سعر الصرف، وعلى توفر الوقود، وعلى قدرة الدولة على تمويل أبسط السلع الأساسية.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت هذه الفجوة أكثر حدة، مع تراجع الإنتاج وتعطل سلاسل التوريد، وانكماش القدرة التصديرية بشكل واضح.
النفط: من نصف مليار دولار إلى الصفر
إذا عدنا إلى قلب الصادرات السودانية، نجد أن النفط كان يشكل في السابق مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي. ففي عام 2017 بلغت صادرات النفط حوالي 417 مليون دولار، ثم ارتفعت في 2018 إلى نحو 520 مليون دولار، واستمرت حول مستوى 532 مليون دولار في 2019.
لكن بداية التراجع كانت حادة بعد ذلك، إذ هبطت إلى حوالي 65 مليون دولار في 2020، ثم إلى 36 مليون دولار في 2021، قبل أن تتراجع بشكل شبه كامل إلى 1.2 مليون دولار في 2022، وصولًا إلى صفر فعلي في 2023 و2024.
هذا التحول يعني ببساطة أن السودان انتقل خلال أقل من خمس سنوات من دولة تصدر نفطًا بمئات الملايين إلى دولة فقدت هذا المصدر بالكامل، وهو ما انعكس مباشرة على ميزان النقد الأجنبي.
الصادرات الكلية: من 5.9 مليار إلى 3.1 مليار دولار
تأثير انهيار النفط لا يظهر وحده، بل يظهر داخل إجمالي الصادرات أيضًا. فبينما بلغت الصادرات السودانية نحو 5.9 مليار دولار في 2021، كانت قد تراجعت إلى حوالي 4.3 مليار في 2022، ثم إلى 3.6 مليار في 2023، وصولًا إلى 3.1 مليار في 2024.
والمفارقة أن أعلى مستوى للصادرات خلال هذه الفترة لم يكن نتيجة النفط، بل نتيجة ارتفاع مؤقت في صادرات غير نفطية، ما يعني أن الاقتصاد لم يعد يعتمد على قطاع واحد قوي، بل على مزيج هش يتراجع تدريجيًا.
الوقود: من مصدر دخل إلى بند ضغط على الدولار
التحول الأخطر يظهر في الوقود نفسه. فبدل أن يكون مصدرًا للعملة الصعبة كما في السابق، أصبح اليوم أحد أكبر بنود استهلاك الدولار.
ففي السنوات الأخيرة، تراوحت فاتورة استيراد الوقود بين حوالي 991 مليون دولار في 2018، و1.79 مليار دولار في 2019، ثم تراجعت إلى 1.25 مليار في 2020، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 2.24 مليار في 2021، وتصل إلى ذروة بلغت 2.87 مليار دولار في 2022.
لكن بعد الحرب، تراجع الرقم إلى حوالي 890 مليون دولار في 2024 و807 مليون دولار في 2025، وهو تراجع لا يعكس تحسنًا بالضرورة، بل يعكس غالبًا ضعف القدرة على الاستيراد نفسه.
هل انخفاض الاستيراد تحسن اقتصادي أم انعكاس لأزمة أعمق؟
عند النظر إلى انخفاض فاتورة الوقود، قد يبدو الأمر كتحسن في الضغط على الدولار. لكن المقارنة مع الواقع تكشف صورة مختلفة.
فالانخفاض تزامن مع:
• الحرب التي بدأت في أبريل 2023
• تعطل الموانئ وسلاسل الإمداد
• ضعف القدرة على تمويل الاستيراد
• ارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا نتيجة التوترات الجيوسياسية
بمعنى آخر، ما يبدو انخفاضًا في الواردات هو في جوهره انكماش في قدرة الاقتصاد على الاستيراد، وليس تحسنًا في توازنه الخارجي.
45 شركة تستورد الوقود… تشظي الطلب على الدولار
في الوضع الحالي، لا يتم استيراد الوقود عبر جهة واحدة، بل عبر نحو 45 شركة استيراد، بينها عدد محدود من الشركات النشطة.
هذا النموذج يؤدي إلى تشظي واضح في الطلب على الدولار، حيث تتحول كل شركة إلى مركز طلب مستقل، يفتح اعتمادات ويبحث عن تمويل، ما يؤدي إلى:
• ضغط متكرر على النقد الأجنبي
• زيادة الاعتماد على السوق الموازي
• صعوبة في ضبط تدفقات الدولار
• ارتفاع عدم الاستقرار في سوق الصرف
ومع وصول فاتورة الوقود إلى مئات الملايين من الدولارات سنويًا، يصبح هذا القطاع أحد أهم مصادر الضغط النقدي في الاقتصاد.

قرار احتكار الاستيراد: ضبط للسوق أم معالجة جزئية؟
في هذا السياق، اتجه مجلس الوزراء إلى احتكار استيراد المشتقات البترولية عبر جهة حكومية واحدة، بهدف توحيد الطلب على الدولار الذي يقدر بنحو 807 مليون دولار في 2025.
الفكرة تقوم على تقليل التشتت في الطلب، لكن السؤال الاقتصادي الأهم يبقى:
هل المشكلة في طريقة الاستيراد، أم في حجم الفجوة نفسها بين ما يُصدر وما يُستورد؟
نموذجان تحت الاختبار
النموذج الأول يقوم على احتكار الدولة للاستيراد، بما يحقق توحيد الطلب على الدولار وتقليل المضاربة، لكنه في المقابل يثير مخاوف من تركيز العمليات المالية الضخمة في جهة واحدة، وما قد يصاحب ذلك من بطء إداري أو مخاطر فساد أو اختناقات في الإمداد.
أما النموذج الثاني فيبقي على دور الشركات، لكنه يربط الاستيراد بآلية مصرفية منضبطة تعتمد على حصائل الصادر، وهي التي لا تتجاوز أصلًا حوالي 2.6مليار دولار في 2025، وهو رقم لا يغطي وحده حجم الواردات البالغ 6.5 مليار دولار بعجز في الميزان التجاري 3.9 مليار دولار .
توصيات لإعادة تشكيل المعادلة الاقتصادية
بدل التركيز على إدارة الطلب على الدولار فقط، تبدو الحاجة واضحة إلى إعادة بناء جانب العرض نفسه، عبر:
• توسيع الصادرات الزراعية والحيوانية والتعدينية بدل الاعتماد على صادرات محدودة بقيمة 3.1 مليار دولار فقط
• إنشاء صناديق ومحافظ استثمارية لتمويل الإنتاج الموجه للتصدير
• تقديم قروض سلعية مرتبطة بحصائل الصادر وليس بضمانات نقدية تقليدية
• إصلاح قطاع الذهب عبر تقليل التهريب وتخفيض كلفة التصدير الرسمي
• إعادة تنظيم سوق الوقود بحيث يقل تشظي الطلب على الدولار دون خلق احتكار كامل
أسئلة مفتوحة أمام القارئ وصانع القرار
• هل يمكن لاقتصاد يصدر 3.1 مليار دولار فقط أن يدير واردات تتجاوز 6.5 مليار دولار دون اختلال دائم؟
• هل احتكار استيراد الوقود حل هيكلي أم مجرد إعادة توزيع للضغط على الدولار؟
• وهل المشكلة في تعدد المستوردين أم في غياب مصدر قوي للنقد الأجنبي بعد انهيار صادرات النفط من نصف مليار دولار إلى الصفر؟
• وفي ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، هل الأولوية لضبط الطلب على الدولار… أم لإعادة إنتاجه من جديد؟.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات