الاستاذ/ زكريا علي عبد الرسول
كاتب ومحلل سياسي
التعليم حق أصيل… لا تُسقطه الحروب…
الحروب قد تهدم المدن، وتُعطّل الخدمات، وتُفرّق الناس بين نازح ولاجئ، لكنها لا تُسقط حق الإنسان في التعليم. فهذا الحق ليس منحة تمنحها الظروف المواتية، ولا امتيازاً يرتبط بحالة الاستقرار، بل هو حق أصيل يلازم الإنسان في السلم والحرب على السواء.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن التعليم لا ينبغي أن يكون ضحية للصراعات، بل أحد أهم أدوات مواجهة آثارها. فكل يوم يقضيه طفل خارج المدرسة هو خسارة لمستقبله، وكل جيل يُحرم من التعليم هو خسارة لوطن بأكمله. لذلك حرصت دول كثيرة عانت الحروب والنزاعات على إبقاء أبواب التعليم مفتوحة، ولو في أبسط صورها، إدراكاً منها أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن إعادة بناء الحجر.
وفي الحالة السودانية، ورغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، اتخذت الدولة جملة من الإجراءات للحفاظ على استمرارية التعليم، من خلال نقل بعض المؤسسات التعليمية إلى الولايات الآمنة، وتنظيم الامتحانات القومية في ظروف بالغة التعقيد، والسعي إلى استئناف الدراسة في المناطق التي تسمح أوضاعها الأمنية بذلك، إلى جانب التنسيق مع دول استضافت أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين لضمان استمرار تعليم الطلاب وعدم انقطاعهم عن الدراسة. ورغم ما واجه هذه الجهود من قصور وتحديات موضوعية فرضتها الحرب، فإنها عكست إدراكاً لأهمية عدم ترك العملية التعليمية تنهار بالكامل تحت وطأة الصراع.
ومن بين أكثر المشاهد إيلاماً في هذه الحرب، تلك التضحيات الكبيرة التي قدمتها الأسر السودانية من أجل الحفاظ على حق أبنائها في التعليم. فقد اضطرت آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها ومناطقها التي تحولت إلى ساحات قتال، وتحملت مشقة النزوح والترحال إلى ولايات أكثر أمناً أو إلى دول الجوار، ليس فقط بحثاً عن الأمان، بل بحثاً عن مقعد دراسي يضمن استمرار تعليم أبنائها. وتحملت هذه الأسر أعباءً اقتصادية واجتماعية ونفسية هائلة، فبدأ كثير منها حياة جديدة في ظروف قاسية، واضعة مستقبل أبنائها التعليمي فوق كل اعتبار.
وكان طلاب الشهادة السودانية من أكثر الفئات التي عانت من تبعات الحرب، حيث اضطر عدد كبير منهم إلى خوض رحلات شاقة وخطرة للوصول إلى مراكز الامتحانات في المناطق الآمنة. وخلال تلك الرحلات واجه بعضهم عراقيل أمنية وتعقيدات في التنقل، وتعرض آخرون للاحتجاز أو المضايقات أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز الامتحانات أو مغادرة مناطق النزاع. أما الذين نجحوا في الوصول إلى وجهاتهم ومواصلة تعليمهم، فقد وجد كثير منهم أنفسهم أمام معاناة أخرى لا تقل قسوة، إذ اضطروا للبقاء بعيداً عن أسرهم لفترات طويلة، وعاشوا في الداخليات أو لدى الأقارب أو في مساكن مؤقتة، خوفاً من أن تؤدي عودتهم إلى مناطق الحرب إلى تعريض حياتهم للخطر أو حرمانهم من فرصة مواصلة تعليمهم. وهكذا تحولت رحلة طلب العلم بالنسبة لكثير من الطلاب إلى رحلة صبر وصمود في مواجهة ظروف استثنائية فرضتها الحرب على جيل كامل.
أما في المناطق التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع خلال فترة الحرب، فقد واجه قطاع التعليم أوضاعاً شديدة الصعوبة نتيجة الاضطرابات الأمنية وتضرر المؤسسات التعليمية وتعطل كثير من الأنشطة الأكاديمية. كما برزت معاناة عدد من أساتذة الجامعات والأكاديميين الذين تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز، وما ترتب على ذلك من آثار إنسانية ومهنية بالغة القسوة عليهم وعلى أسرهم وطلابهم. كذلك واجه عدد من المعلمين في بعض المناطق ظروفاً بالغة التعقيد ومخاوف مرتبطة بأمنهم الشخصي وقدرتهم على أداء رسالتهم التعليمية في بيئة مضطربة تهيمن عليها تداعيات الحرب وانعدام الاستقرار. ولا ينبغي أن يتحول التعليم إلى أداة للصراع أو وسيلة لإعادة تشكيل وعي الأجيال وفق أجندات الحرب. فالتعليم الذي يحتاجه السودان اليوم هو التعليم الذي يوحّد ولا يفرّق، ويبني ولا يهدم، ويعزز قيم المواطنة والعدالة والتعايش والسلام.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب ليس فقط تدمير البنية التحتية، بل تدمير الفرص المستقبلية للأجيال. ولهذا فإن الدفاع عن التعليم ليس قضية قطاعية تخص المعلمين والطلاب وحدهم، بل هو دفاع عن مستقبل الوطن كله.
وأمام هذه التحديات الجسيمة، تبرز الحاجة إلى مناشدة صادقة لكل الأطراف ذات الصلة، من مؤسسات الدولة، وسلطات الأمر الواقع في مناطق سيطرة الدعم السريع، والحركات المسلحة، والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالتعليم وحماية الطفولة، بأن تجعل من التعليم أولوية وطنية وإنسانية لا تخضع لحسابات الصراع وتقلبات الميدان. فالأطفال والطلاب ليسوا طرفاً في الحرب، ولا ينبغي أن يدفعوا ثمنها من مستقبلهم وحقهم في التعلم. إن المطلوب اليوم هو البحث عن صيغ عملية ومرنة تضمن استمرارية العملية التعليمية وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب السودانيين أينما كانوا، وتوفير بيئة آمنة ومحايدة للتعليم، بعيداً عن الاستقطاب السياسي والعسكري. فالمعركة الحقيقية التي ينبغي أن يتفق عليها الجميع هي معركة حماية الأجيال القادمة من الجهل والضياع، لأن السلام الدائم لا يُبنى بالسلاح وحده، وإنما يُبنى أيضاً في المدارس والجامعات وقاعات المعرفة.
فالتعليم حق أصيل لا تُسقطه الحروب، ولا ينبغي أن تعطلّه النزاعات المسلحة أو تقيّده سلطات الأمر الواقع. إنه حق يجب أن يبقى مصوناً ومتاحاً لكل طفل وشاب، لأنه الاستثمار الأهم في حاضر السودان ومستقبله، ولأن الأوطان التي تحافظ على تعليم أبنائها وسط المحن هي الأوطان القادرة على النهوض بعد انقضاء العواصف.
،،، تحياتي ،،،
