زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
في هذا الشهر المبارك، حيث تتعاظم معاني الرحمة والتسامح والعفو، تظل العدالة واحدة من أعظم النعم التي تحفظ للدول توازنها، وللمجتمعات استقرارها، وللناس حقوقهم وكرامتهم.
فالعدل حين يُطبق على الجميع دون تمييز، يمنح القانون هيبته، ويؤكد أن الناس أمام القضاء سواء، لا فرق بينهم إلا بما تقوله الوقائع وما تثبته الإجراءات.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام الأحكام القضائية والإيمان بمسار العدالة يظل ضرورة أخلاقية ووطنية، لأن انهيار الثقة في مؤسسات العدالة يعني فتح أبواب الفوضى والتشكيك والانفلات أمام الجميع.
وفي المقابل، فإن الدعاء بفك عسر كل مسجون، وتخفيف الكرب عن كل مبتلى، يبقى قيمة دينية وإنسانية أصيلة، لا تتناقض مع احترام القانون، بل تنسجم مع روح الرحمة التي يدعو إليها الدين، خاصة في هذه الأيام المباركة.
غير أن بعض القضايا تكشف أحياناً ما هو أعمق من النصوص القانونية والأحكام القضائية؛ إذ تفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بطبيعة الوعي العام نفسه، وبالمعايير التي يتعامل بها المجتمع مع الناس ومعاناتهم.
فقضية سجن الصحفية رشان أوشي ـ بعيداً عن الجدل القانوني ـ أعادت إلى السطح واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً داخل البنية الاجتماعية السودانية: أزمة الانتقائية في التعاطف، واختلال ميزان الإنسانية داخل المجال العام.
فالقضية أخذت مسارها العدلي، وصدر الحكم وفق القانون، وليس الحديث هنا تشكيكاً في القضاء أو اعتراضاً على الإجراءات.
لكن المثير للتأمل هو الطريقة التي انفجرت بها موجات التضامن والاهتمام، في وقتٍ ظل فيه كثيرون داخل السجون أو تحت وطأة المحاكمات دون أن يجدوا ذات المساحة من التعاطف أو الحضور أو الضجيج الإعلامي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل أصبحت قيمة الإنسان في السودان مرتبطة بموقعه داخل الخارطة الاجتماعية والثقافية والإعلامية؟
وهل صار بعض الناس أكثر قابلية للحصول على التعاطف من غيرهم، ليس بحجم المأساة، وإنما بنوع الهوية والانتماء والمكانة؟
يبدو أن السودان ما يزال يعاني من شكل معقد وخفي من التمييز يمكن وصفه بـ”العنصرية غير المنظورة” وهي ليست عنصرية صاخبة تُمارس بالشعارات المباشرة أو الإقصاء القانوني، بل عنصرية ناعمة تتسلل إلى الوعي العام بهدوء، وتظهر في طريقة توزيع الاهتمام والتعاطف والاعتراف الإنساني.
فهناك ضحايا يتحولون فوراً إلى “قضية رأي عام”، بينما يُترك آخرون في العتمة وكأن معاناتهم أقل قيمة أو أقل استحقاقاً للغضب الوطني.
لا لأن القانون فرّق بينهم، بل لأن المجتمع نفسه ـ أحياناً ـ يفعل ذلك بصورة غير معلنة.وهذا أخطر ما في المسألة.
فالخلل هنا لا يتعلق بالقضاء، وإنما بطريقة قراءة الناس للقضايا، وبمحاولات البعض إخضاع العدالة لمعيار العاطفة أو المكانة أو القرب من دوائر النفوذ الرمزي والثقافي.
لقد كشفت الحرب السودانية الأخيرة كثيراً من التشققات التي كانت مختبئة تحت سطح الخطاب الوطني العام. وأظهرت أن بعض النخب، وبعض المنصات، وحتى بعض الخطابات الحقوقية، لا تتعامل دائماً مع الضحايا بمعيار إنساني مجرد، وإنما وفق معايير خفية مرتبطة بمن يستحق الظهور، ومن يستحق أن يُسمع صوته، ومن يمكن تجاهله دون ضجيج.
وهنا تتجلى العنصرية الناعمة بأقبح صورها.
فهي لا تمنع أحداً من الكلام، لكنها تحدد مسبقاً من الذي سيجد من يصغي إليه.
ولا تحرم الضحية من حقها القانوني، لكنها قد تحرمها من الاعتراف الإنساني والاهتمام العام.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات هو أن يصبح التعاطف انتقائياً، وأن تتحول الإنسانية نفسها إلى امتياز اجتماعي غير معلن.
لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالقوانين، بل تُبنى أيضاً بعدالة المشاعر، وبالمساواة في النظر إلى آلام الناس وحقوقهم وكرامتهم.
وعلى حافة الحقيقة…
فإن الأزمة التي نواجهها اليوم ليست فقط أزمة حرب أو سياسة أو اقتصاد، بل أزمة معايير مختلة، ما تزال ترى بعض البشر أكثر استحقاقاً للإنسانية من غيرهم.
،،،تحياتي ،،،
