بقلم: مناهل تاج السر محمد
تأتي أيام الحج كل عام وهي تحمل معها نفحاتٍ إيمانية عظيمة، تلامس القلوب قبل الأرواح، وتعيد للإنسان شيئًا من الطمأنينة التي أرهقته الحياة وهو يبحث عنها وسط زحام الدنيا. ففي هذه الأيام المباركات تتجه ملايين القلوب إلى بيت الله الحرام، ملبّين نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام، تاركين خلفهم تعب الدنيا وضجيجها، باحثين عن الرحمة والمغفرة والقبول.
ويظل يوم عرفة من أعظم أيام الله، يومٌ تتنزل فيه الرحمات وتُرفع فيه الدعوات وتُعتق فيه الرقاب من النار. يومٌ يقف فيه الحاج متضرعًا باكيًا، ويرفع غير الحاج يديه من أي مكان في الدنيا، مؤمنًا بأن الله لا يرد قلبًا صادقًا دعاه بيقين. ففي عرفة تُغسل الأرواح من أوجاعها، وتُفتح أبواب السماء لدعواتٍ ظلت حبيسة القلوب طويلًا.
لكن وسط كل هذا الفضل العظيم، يبقى هناك أمرٌ مؤلم يغفل عنه الكثيرون؛ وهو الخصام وقطيعة القلوب. فما أقسى أن تمر هذه الأيام المباركة وبين الناس شحناء أو زعل أو كراهية. وقد جاء في المعنى الشريف أن أعمال المتخاصمين لا تُرفع حتى يصطلحا، فكيف لإنسان أن يطلب من الله الرحمة وهو يحمل في قلبه قسوة تجاه أخيه؟ وكيف ينتظر القبول وهو عاجز عن الصفح والتسامح؟
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا في هذه الأيام ليس فقط الدعاء، بل تصفية القلوب أيضًا. مكالمة بسيطة، رسالة اعتذار، كلمة طيبة، قد تكون سببًا في رفع الأعمال وقبول الدعوات. فالعيد الحقيقي ليس في الملابس الجديدة ولا الولائم الكثيرة، بل في قلبٍ نقي لا يحمل إلا السلام.
ويأتي عيد الأضحى المبارك ليكمل جمال هذه الأيام، حيث تجتمع الأسر وتتلاقى الوجوه التي فرقتها مشاغل الحياة. لمّة الأهل في العيد ليست عادة عابرة، بل نعمة عظيمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها. فكم من شخص يتمنى حضن أم، أو جلسة أب، أو ضحكة إخوة حول مائدة العيد. لذلك تبقى صلة الرحم من أجمل معاني العيد وأعظمها أثرًا في النفوس.
في هذه الأيام المباركات، لنجعل دعواتنا صادقة، وقلوبنا أنقى، وأرواحنا أقرب إلى الله. سامحوا، تصالحوا، اقتربوا من أحبابكم، وأكثروا من الدعاء، فرب دعوة صادقة تغيّر أقدارًا كاملة، ورب قلبٍ صافٍ يكون سببًا في نجاتك وراحتك في الدنيا والآخرة.
وكل عام والجميع بخير، أعاده الله على الأمة الإسلامية بالأمن والسلام والمحبة والقبول.
