السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةمقالات(مصطلحات من البادية) بقلم:الاستاذ/ الغالي الزين حمدون

(مصطلحات من البادية) بقلم:الاستاذ/ الغالي الزين حمدون

اللبب و التفر و البطان و الحقاب أو( المحقبة) مصطلحات عند أغلب أهل البادية . فاللبب ما تُلبُّ به الدابة تحديداً الإبل و الخيل من صدرها لتثبيت السرج أو (المخلوفة) و هي حصرا سرج الجمل جاءت من خلف (الرِّجْل) على السرج…. و لا يلبب الحمار إلا في حالة اسنخدامه لجر ( الكارو )….
التَّفر يمرر من تحت ذنب الدابة جملاً كان أو حماراً و يربط على السرج و يقال ( تفَّرَهُ) و تفره بتحريك التاء و الفاء و الراء في عاميتنا تعني تبعه من الخلف أو سعى خلفه كما ذهب اليه الاخ الدكتور خالد فرح بأنها كردفانية خالصة وهي بمعنى ثفر في الفصحى….
فاللبب و التفر مهمتهما شد السرج من الأمام و الخلف على ظهر الدابة حتى لا ( يزح ) أو ينزلق و يتدحرح إلى الأمام أو الخلف….
البُطان و هو ما يربط به بطن الدابة لتثبيت السرج على ظهرها فيقال : (لبَّبَ و تفِّرَ و بطِّنَ) الجمل أو الحمار و الحصان ربطه من الأمام و الخلف و البطن و كلها تأتي مجتمعة لتثبيت السرج . وفي حالة عدم وجود أي منها يحدث خللاً في السرج يؤدي لسقوطه و سقوط الراكب……
النوع الرابع ( الحِقاب ) أو ( المحقبة) يستخدم فقط للجمل دون غيره من الدواب و يحقب (يربط) و يحزَّم به الجمل من صلبه على السرج (كالحزام) عند الانسان و في هذه الحالة يكون بديلاً للتفر يعني الجمل هو الدابة الوحيدة التي (تُتَفَّر) و (تُحْقَب) في الحالتين…….
أعجبتني عبارة الأخ أبو فايز في تعليقه “إن شاء الله بعد الطهور يجي فوق منقوش اللبب ” و هذه لعمرك أجمل و أغلى أمنية و هي تعني مبلغ الرجولة …
الشاهد أن الطفل عند الطهور يسرج له الحمار و يُزف أو يُسيَّر و يُسَار به( السيرة ) قبل عملية الطهور لمسافة نصف كيلو بالتقريب أمام الفريق في اتجاه القبلة تيمناً ثم يؤتى به (للطهار) أو المختن محمولاً على الأكتاف و يطهر أو يختن مباشرة….
أما العريس فيسرج له الجمل أو الحصان و كلاهما يلببان بلبب مصنوع من الجلد يشبه الحزام تماماً و ينقش بمسامير فضية أو ذهبية للزينة فيزف العريس على الحصان أو الجمل عكس الطفل . و نادراً ما يزف العريس على حمار ربما تكون في بعض المناطق لكن في كردفان يزف العريس على الجمل أو الحصان …
أذكر من أغاني السيرة أن البنات بقولوا ” شدو ليك البكيرة مرقن ليك بنات السيرة العريس ( دُخُلْتُه) الليلة “
البكيرة تصغير للبكرة و هي الناقة البكر و السيرة ( الزفة ) و الدُّخْلة تعني دخوله بعروسته ( دخل بها ) و دخل بالعروس خلاف دخل عليها : فدخل بها أي تزوج بها شرعاً ، و دخل عليها أي غدر بها و تهجم عليها و المعنى واضح….
أغنية أخرى من أغاني السيرة ” شدو ليك البتجفَّل مرقن ليك بنات العسكر و العريس قصيبة السُّكر “
يا إلهي انظر جمال الوصف:
البتجفّل يعنين الحصان و الحصان يتبختر في مشيه و وصفنه ب(يتجفل) و هو تشبيه مجازي… مرقن ليك بنات العسكر أي خرجن بنات العسكر و هنا إيحاء بأن هذه الأغنية خاصة بمجتمع العسكر خصوصاً (السواري) لأن بوليس السواري من (سرى) جمع ساري و هم سراة و حراس الليل وحدة من وحدات الشرطة أو البوليس . و يسكنون في (قشلاق) أو أشلاق واحد يسمى أشلاق السواري كما أشلاق البوليس و السجون و الجيش و لعلهم ( السواري ) يزفون عرسانهم بالخيول و هي متاحة عندهم في اسطبل السواري و كلمة قشلاق و أشلاق ليس لها أصل في العربية الفصحى و ربما تكون تركية و أعجمية أياً كانت…..
العريس (قصيبة السكر ) تشبيه بقصبة السكر لاستقامتها . و نادرا ما تجد قصبة سكر معووجة…
إنه انتقاء الكلمة و تذوق العبارة و جمال الوصف عند بناتنا لله درهن……..
هناك حبل آخر يستخدم لتثبيت السرج خاصة سرج الجمل يسمى ( الدير ) من الدائر و هو حبل من جلد يربط دائرياً حول السرج و يشد ( يربط) عليه البطان من صفحتي الجمل على بطنه كما أنه يسمى ( القُرْدَة) عند أهل كردفان و هي حزام ينسج من جلد أو صوف الأغنام ( الماعز) تحديداً…
و يتكون سرج الجمل من (الجوالس) و هو الحوض الذي يجلس عليه الراكب و (العكفات) تثبت عليها الجوالس من الأمام و الخلف و تستخدم كمقبض لمن لا يجيد ركوب الجمال ! … و يسمى السرج بالجالسة من الجلوس عليه….
و تقودني هذه المداخلة إلى مقطع من الأغنية التراثية الكردفانية ( دار أم بادر ) ..
المقطع يقول :
سرجك عليه مكَرَّب من سودري و غرَّب يا مسافر إتدرَّب نجم الخريف قرَّب…
و المقطع يعني إيذاناً بالرحيل… و العرب البدو في بدايات الخريف وقت ( النشوق ) و يعني الرحيل بحثاً عن الكلأ يرسلون مندوبهم للبحث و التقصي من مكان المرتع الوفير و يسمونه ( الروَّاغ ) من (يروغ) عن الشيء وردت في الفصحى ” و يروغ عنك كما يروغ الثعلب ” و قد تمتد رحلة هذا الرواغ على ظهر الجمل لأيام و أسابيع باحثاً عن المرعى . و لا يرحل العرب إلا بعد حضوره و توجيهه و في هذه الحالة يعتبر هو ( الدليل ) و الأمير و لا تخالف توجيهاته….
من الطرف التي سمعتها عن أغنية دار أم بادر و لم تكن في محلها أننا كنا عام ٢٠١٣م في رحلة إلى الدمازين لإقامة فعاليات الدورة المدرسية . و بينما نحن على متن البص أتحفنا السائق بهذه الأغنية التراثية و عندما جاء منها المقطع : “زولاً سنونو بروق في محكمة زانوق ” وقف أحد الزملاء هاتفاً أن زانوق هذا من عندهم دنقلاوي و قيلت فيه هذه الأغنية فوقفت حالما انتهى من كلامه وعقبت عليه بأن هذه الأغنية ليست لها علاقة بدنقلا أو أي مكان آخر في السودان إنما هي كردفانية بحتة و زانوق هذا هو محمد احمد تمساح ناظر عموم دار حامد و كانت محكمته في شجرة اللبخة التي أصبحت من آثار بار و قد تجاوز عمرها النائة عام حيث زرعها المأمور الانجليزي و هي ذات اللبخة التي كسر فيها عبد الله ود جاد الله ناظر الكواهلة قلم المأمور الانجليزي ( ماك مايكل ) سمي في لهجتنا (ماكميك) اعتراضاً على تدوين حكم ضده و سمي عبد الله ود جاد الله (كسار قلم ماميك) و سردت من الأدلة أن أم بادر و سودري وبارا التي و ردت في الأغنية هي مدن كردفانية و تسمى مدن دار الريح عند أهل كردفان …
ما أجمل المداخلات في مثل هذه الحالات….
زي ما بقولوا أهلنا تحلى ليكم العافية…
و أقعدوا عافية ….
لكم مني أجمل التحايا ..
الأستاذ الغالي الزين.
عملت مديرا لتعليم الرحل القومي بوزارة التربية والتعليم الاتحادية لسنوات قبل عملي مديرا لإدارة التعليم غير الحكومي و الأجنبي بنفس الوزارة مما أتاح لي مجالا واسعا للتنقل في بوادي الرحل في جميع ولايات السودان ….

هذه مداخلة مني في الفيس عن اللهجة العامية تناول فيها بعض الإخوة كلمة التفر و اللبب …

مايو 2026م

القاهرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات