ورد في الأخبار أن الخليفة العباسي المأمون قوله عن موسيقار عصره اسحق الموصلي(لولا شهرة الموصلي بين العامة بالغناء دون سائر ملكاته..لوليته القضاء لما اعلم من علمه وفقهه وادبه ونزاهته)..ولعل تاريخنا الإنساني والإسلامي لم يحفظ لنا اسما تحقق بذات مقام إسحق الموصلي سوى المطرب والأديب والموسيقار السوداني /عبدالكريم الكابلي فقد كتب اسمه في سماء الابداع بأحرف من نور فوهبته عبقرية الزمان والمكان بافانين مواهب …كان ميلاده عام 1931م بشرق السودان أحد بوابات التثاقف الحضاري. وبسني دراسته الباكرة حظي برفقة وزمالة الشاعر الغنائي الفذ حسين بازرعة..وورث الأدب والتأدب من والده الأديب عبدالعزيز الكابلي..تشربت مسامه الفنية بانغام من سبقه من فناني جيل الاربعينيات حسن عطية، واحمد المصطفى، والكاشف، وعثمان حسين، وعثمان الشفيع ،والتاج مصطفي ، و عبدالعزيز داؤود..نال من الق الافندية قدرا معتبرا إذ عمل بالهيئة القضائية حتي وصل (كبير مفتشي ادارة المحاكم)..تميز بإيثاره الفني قبل ظهوره كفنان بالإذاعة السودانية عام 1960م ففي شبابه الباكر عام 1952م اهدي عبدالعزيز داؤود اغنية (يازاهية) وتوالت اهداءاته لزملائه الفنانين تغني له ابوعركي البخيت(مرسال الشوق)وكمال ترباس(بريدك والريدة ظاهرة بعيني)وزيدان ابراهيم و البلابل وحتي جيلنا الحالي الفنان ادروب بأغنية(قلية بن)…زرته بفرجينيا بربيع عام 2016م..برفقة شقيقي الأكبر الشيخ /محمد المادح حفظه الله وله في تقديره ود خاص ..فوجدته بكامل حضوره الانساني ورقة شعوره..دار نخب الانس بذكريات الفن والمجتمع والطرف والمفارقات زان هذه الزيارة التاريخية كرم واريحية حرمه المصون السيدة الفضلي عوضية الجزلي شقيقة القامة الاعلامية الباذخة استاذ الاجيال/ عمر الجزلي..فتلمسنا بر ابناءه الأماجد عبدالعزيز ومحمد وسعد وقوارير جليلة تحفه بالحب والتقدير..حدثنا بامتنان ومحبة فياضة عن من سبقة من الرواد الأوائل فإذا ذكر احترام الفن قال احمد المصطفي، ونجومية الفن والمجتمع فعبدالعزيز داؤود ،وعن ثورية الابداع كان ابراهيم عوض، وعن شلالات الألحان محمد الأمين.،.وعن الإعجاز فمحمدوردي.،.اما عثمان حسين فيعتدل في جلسته :(عثمان حسين يجعلك توقن ان واهب الابداع هو الخالق العظيم..هو علامة فارقة في مسيرة الاغنية السودانية)..مسيرة الكابلي الانسانية والفنية سمتها علو الهمة تغني للوطن وللحبيبة، والسلام فهو من قلائل المغنيين الذين يتميزون بتكامل الشخصية.الفنية .تطابق سموق موهبته مع فخامة تثقيفه الذاتي..حتي اصبح أحد المصادر التثقيفية للمستمع السوداني والعربي، غواص في اكتشاف جواهر الأدب والفن ،من خلاله عرف المستمع بشوارد يزيد بن معاوية(وامطرت لؤلؤا من نرجس) وعباس العقاد (شذي زهر ولا زهر)وعلي محمود طه المهندس واغنية (الجندول)و وغناءه للثورة الجزائرية (اغلى من لؤلؤة بضة)وللقضية الفلسطينية من كلمات عزيز التوم(يا فلسطين اسلمي)وفي تراثنا الشعبي للشاعر الحردلو وغيره فضلا عن ملحمته الوطنية اوبريت السودان للاديب والسياسي الشريف زين العابدين الهندي.كما لا ينس الجمهور العربي تألق الكابلي امام كوكب الشرق ام كلثوم عند زيارتها للخرطوم عام 1968م وتغنيه بالمسرح القومي بقصيدة (أراك عصي الدمع )للشاعر العباسي ابي فراس الحمداني فأستبد الطرب بأم كلثوم وهي تردد معه الي أن نهضت من كرسيها مصافحته ومهنئة له بحرارة بقولها :(أنت يا كابلي همزة وصل للوجدان العربي ) …ذائقة الكابلي الانتقائية قدمت كوكبة من الشعراء للجمهور في ابهي حللهم من خلاله.. ذبنا شجنا ولوعة برقة عوض احمد خليفة(كيف يهون عندك خصامي) ،وشفافية التجاني حاج موسي (في عز الليل) ،وبفصاحة حسن عباس صبحي (ماذا يكون حبيبتي)،وجزالة الحسين الحسن(حبيبة عمري)،وعبدالمجيد حاج الأمين ووطنيتة الثائرة(هبت الخرطوم في جنح الدجى) وتسامي صديق مدثر (ياضنينا بالوعد)وتوفيق صالح جبريل صاحب الدهليز وتوهج روحة(كسلا أشرقت بها) ورومانسية إدريس جماع (ماله ايقظ الشجون فقاسي وحشة الليل واستثار الخيال )وخوارق الفيتوري (في حضرة من أهوي عصفت بي الأشواق..حدقت بلا وجه ورقصت بغير ساق..مملوكك انت لكني سلطان العشاق )ولوحات د/تاج السرالحسن بأنشودته (آسيا وافريقيا) التي تغني بها الكابلي اول مرة علي خشبة المسرح امام الزعيم المصري/ جمال عبدالناصر ابان زيارته للخرطوم.عام 1960م.. وللكابلي شاعرية تنأى به عن التكلف فقد اعتق عاطفة المحبين من أسر الذاتية الي الفاعلية الاجتماعية(حبك للناس خلاني احبك تانيفيك الاحساس نساني اعيش احزاني).(وصوك علي يا نور عيني..وصوني أحب لسابع جار وانت اول جار…وداير قربك لكن محتار)! كما يعلن عن وطنيته الجياشة متدلهابتراب وطنه في رائعته (القومة ليك يا وطني )…ومما يجب امعان التبصرة به ان للكابلي منهجية متفردة في الأداء مازته عن غيره..إذ يتقمص وجدان المستمع لا المغني معبرا عن ذلك بطبقة صوته الملوكي الفخيم المطواع (الباص –Bass المتموج) !!؟ فيشارك المستمع آهاته وزفراته وذوبانه وشجنه دونك التهتك الشعوري بأغنية(اين من عينيك هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيالي)..الي ان يبلغ التطريب والشجن منتهاه(صفق الموج لولدان وحور يغرقون الليل في ينبوع نور)..وهي لعمري من الاهازيج الكونية شعرا ولحنا وآداءا..وفي ستينيات القرن الماضي كم كان نصيرا للمرأة من كلماته والحانه بانشودة فتاة الغد (أي صوت زار بالأمس خيالي ..انه صوتي انا زاده العلم سنا. او تدري من انا ..انا نصف حوي كل المعاني )ويسوح الكابلي في براحات أرحب معضدا التعايش الديني والتسامح بين الملل والنحل فكانت اغنية(جراح المسيح)للشاعر القبطي(عزيز التوم)..،والذي تغني له قبلا بأغنية(يا فلسطين إسلمي ) وبكل طاقة الحب والتسامح وسحرية الفنون يبشر الكابلي بالمحافل الدولية و مكتبة الكونغرس الأمريكي. بنشر ثقافة السلام ويدشن كتابه الصادر باللغة الإنجليزية(انغام لا الغام) فرهانه الدائم علي قيمة الفن في إكتشاف أعماق النفس الإنسانية والتقريب بين شعوب العالم..فالكابلي مسرح لمواهب عدة فقد قدم برنامجا اذاعيا بإذاعة أم درمان في أخريات الستينيات بعنوان( سهرة الخميس) يستضيف به كوكبة من المبدعين واثمرت هذه اللقاءات بتقديم لحن للموسيقار الكبير محمد الأمين ..في اغنية تراثية للشاعر الحاردو (يا خالق الوجود انا قلبي كاتم سرو)وكذلك حفظت مكتبة تلفاز السودان عدد من الحلقات التراثية التي قدمها في مراحل مختلفة ففي بداية السبعينيات وثق للشاعر حدباي رفيق الشاعر الوطني خليل فرح ..وبعقد الالفين ببرامج تراثيات الذي وثق لعادات وفنون القبائل السودانية..كما أن له ذائقة خاصة في انتقاء بعض المدائح النبوية من تراثنا الديني(الحجيج قطع..طالب نور البقع)و(السراي جافوا النوم)ورائعة محمد المهدي المجذوب(ليلة المولد .. يا سر الليالي )..ولعل مما اثرى تجربة الكابلي بهذا التنوع معاصرته لعدة منتديات ادبية بأم درمان كمنتدى اخوان الصفاء ،ومنتدي عبدالله حامد الأمين بحي البوستة ، وغيرها من المنابر الثقافية..فضلا عن صحبته لأصفياء ندر نابهين ونابغين كالأديب البروفسير/ علي المك وموالاته باقتراحات بارعة.. .شحذ الكابلي كل مواهبه في الشعر والغناء والبحث للتنزه في حدائق الثقافة والجمال ..فأينعت أدبا وفنا راقيا..فأكرم بها من خرائد فريدة..فكل ذي فطرة سوي لا مفر له من جواذب الكابلي(يطوِّق)كل ملكاتك الفطرية..فيطربك اذا تغني.،.ويمتعك اذا تحدث. ويحلق بك إذا اشعر..يتضوع لطفا وظرفا اذ جالسته..ابان اقامته بامريكا مع اسرته الكريمه خلق حضورااجتماعيا متفردا بين مختلف طبقات السودانيين فبادلونه حبا وتقديرا ناهيك عنه .وكم ازهرت ديباجة السماحة السودانيةبامريكا بدعوات إجتماعية احتفاءا بالكابلي من بعض صفوة المجتمع السوداني مثالا لا حصرا بولاية نيوجيرسي رجال الأعمال سيد ابراهيم، و وائل عمر وبفرجينيا المستشار الصادق خلف الله..ونطاسين نبلاء مثل البروفسير سيف الدين الأسد..وغيرهم الكثير..مما لا يسع المجال لذكرهم فكان حضور الكابلي بينهم منحة اورثتهم طمأنينة ان في بيتنا كبير…. ولا غرو بان استبد الامتنان بأحد أبناء السودان البررة للقيام بدوره الوطني رجل الأعمال السيد/اسامة داؤود وشركة دال بان تشرفت باقامة مهرجانا تاريخيا وطنيا ضخما عام 2020م تكريما للكابلي واستفتاءا لمحبة الكابلي في قلوب كل السودانيين ..فبادلهم الكابلي وفاء بوفاء وحبا بحب فصدع أثناء تكريمه بعبارته المشرقة:(انا قلبي أضعف من أن يحتمل كل هذا الحب فهو حب ملايين القلوب علي قلب واحد)!!..هذا هو عبدالكريم الكابلي(المطرب والشاعر والملحن والباحث ) الظاهرة الفنيةوالثقافية والانسانية. ك(نيزك) نادر السطوع في سماء الشعوب ،سواح في بساتين المعارف والعرفان. وللرجل حال مكنون بينه وربه فعند زيارتي له بفرجينيا ذات الساعات الست (ومضة عشت علي اشراقها وانقضت عجلى) لحظت عليه كثرة الإطراق والتأمل والتهليل..فقد اكتملت عنده دائرة العرفان التي وقف عند عتباتها ثلة من الفنانين تحقيقا للاشارة الموحية للبروفسير الجمالي/ احمد عبدالعال(الفنانين مشاريع مؤجلة لكبارالمتصوفة).فها هو ذا الاستاذ الكابلي قد اذن له بالانعتاق من أسر(التأجيل)وفي مدارج العرفان إرتقى..وهو الصادح باخريات قصائده(اشتاق لقاءك يا ربي في لهفة صوفي نشوانروحي لسماءك تسبقني اما قيدي والجسم الفان*سيعود زهورا و ورودا في تربك مرسمك الألوان )
