الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يتحوّل المنقذ إلى “بعبع” قراءة في تناقض الخطاب السوداني تجاه أبناء...

حين يتحوّل المنقذ إلى “بعبع” قراءة في تناقض الخطاب السوداني تجاه أبناء دارفور والقوات المشتركة الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

في السودان، لا يخاف الناس دائمًا من العدو… أحيانًا يخافون ممن قاتلوا معهم بالأمس.
وبعض المقاتلين يُصفَّق لهم حين يحمون العاصمة… ثم يُسألون لاحقًا: من أين جئتم؟
في الحروب، لا تسقط المدن وحدها… بل تسقط معها الأقنعة أيضًا.

وحين ننظر إلى المشهد السوداني اليوم، تبدو التناقضات أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى؛ فالأصوات ذاتها التي كانت تنتظر وصول القوات المشتركة في لحظات الانهيار، أصبحت اليوم تتحدث عنها بلغة الخوف والريبة، بل وأحيانًا بلغة العنصرية الصريحة.
حين كانت الخرطوم تتهاوى، والولايات تسقط تباعًا تحت سيطرة المليشيات، لم يكن السؤال المطروح: من أين جاء هؤلاء المقاتلون؟

لم يكن أحد يتوقف طويلًا أمام انتماءاتهم أو لهجاتهم أو أقاليمهم.
كان الناس فقط يبحثون عن قوة توقف النزيف، وتمنع انهيار ما تبقى من الدولة.
في تلك اللحظات الثقيلة، برزت القوات المشتركة، ومعها مقاتلون من أبناء دارفور، ومن بينهم قوات حركة العدل والمساواة السودانية، شاركوا في معارك معقدة وخطيرة، وقدّموا خسائر بشرية كبيرة، وأسهموا في استعادة وتأمين مواقع استراتيجية، من بينها مصفاة الجيلي ومناطق أخرى ظلّت تمثل نقاطًا حساسة في خارطة الصراع.
يومها، كان مجرد سماع خبر وصولهم يبعث الطمأنينة في نفوس كثيرين.
لكن بعد تغيّر موازين الحرب، وتحرير مناطق عديدة، تغيّرت اللغة أيضًا.
فجأة، أصبح بعض أبناء دارفور يُصوَّرون كخطر، وأصبحت القوات المشتركة — وخصوصًا حركة العدل والمساواة السودانية — مادةً لحملات التخوين والتخويف والتحريض.
وهنا يبرز السؤال المؤلم:
كيف يتحوّل المقاتل الذي عُدَّ جزءًا من معركة “الكرامة” إلى “بعبع” سياسي واجتماعي بمجرد تغيّر المشهد؟
وهل المشكلة حقًا في السلاح… أم في النظرة القديمة إلى إنسان الهامش؟

إن أخطر ما كشفت عنه هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار، بل هشاشة الوعي الوطني نفسه.
فالسودان، رغم كل الدماء، ما يزال عاجزًا عن تجاوز الخطاب العنصري الذي يظهر كلما اقترب أبناء الأطراف من مركز التأثير والقوة.
كأن بعض الناس يقبلون بالمقاتل الدارفوري حين يحمل عبء الحرب،
لكنهم يخشونه حين يصبح شريكًا في رسم المستقبل.

فالمشكلة لم تكن يومًا في البندقية… بل في اليد التي تحملها حين تأتي من الهامش.
ولعلّ ما يكشف عمق الأزمة أكثر، أن السودان ما يزال — حتى بعد كل هذه الحروب — أسير سؤال قديم لم يُحسم بعد:
من يحق له أن يكون جزءًا كاملًا من صورة الوطن؟
فالتهميش في السودان لم يكن جغرافيًا فقط، بل نفسيًا ورمزيًا أيضًا؛ إذ ظلّت بعض الأطراف تُستدعى عند الحروب، بينما يُؤجَّل الاعتراف الكامل بها عند اقتسام السلطة والمعنى والمستقبل.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي قول الحقيقة كاملة:
لا توجد قوة في هذه الحرب بلا أخطاء.
الجميع أخطأ بدرجات مختلفة، والحرب بطبيعتها تترك ندوبها على الجميع.

لكن الاعتراف بالأخطاء شيء، وتحويل جماعات كاملة إلى أهداف للكراهية شيء آخر تمامًا.
فما يحدث اليوم من تعميم وتحريض ضد أبناء دارفور لا يمكن تبريره سياسيًا ولا أخلاقيًا، خاصة في وقتٍ ما تزال فيه دارفور نفسها تنزف.
في الفاشر، لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل مأساة إنسانية مفتوحة؛ حصار، جوع، خوف، ونزوح يلتهم حياة الآلاف.

هناك أطفال وُلدوا داخل المخيمات قبل أن يعرفوا معنى الوطن، ونساء يحملن ذاكرة الفقد أكثر مما يحملن متاع الحياة، وأسر كاملة فقدت البيوت والأمان وحتى الأوراق التي تثبت هويتها.
وفي مدن الحرب، لا يموت الناس بالرصاص وحده… بل بالشعور الطويل أنهم خارج ذاكرة الوطن.
ورغم كل هذا، ما يزال الخطاب العام في كثير من الأحيان منشغلًا بتبادل الاتهامات أكثر من انشغاله بإنقاذ الإنسان.

المأساة الحقيقية ليست فقط في الحرب… بل في أن السودان لم يتعلم الدرس الكامل بعد.
فالوطن الذي يُقسِّم أبناءه وفق الجهة واللون والانتماء، سيظل قابلًا للاشتعال مهما تغيّرت أسماء المعارك.
إن أخطر ما بعد الحروب ليس الدمار وحده، بل الذاكرة المشوّهة التي تُربّي الأجيال على الخوف من بعضها البعض.

فحين يتحوّل أبناء الوطن الواحد إلى صور نمطية متبادلة، تصبح الكراهية مشروعًا مؤجلًا لحربٍ أخرى.
كأن الوطن يطلب من بعض أبنائه أن يحملوا السلاح دفاعًا عنه… لكنه يتردد في منحهم حق الانتماء الكامل إليه.
إن بناء دولة عادلة لا يبدأ من تمجيد طرف أو شيطنة آخر، بل من الاعتراف بأن أبناء دارفور ليسوا ضيوفًا على هذا الوطن، ولا جنودًا مؤقتين يُستدعون وقت الحاجة ثم يُدفعون مجددًا إلى الهامش.
هم جزء من السودان… بألمه، ودمه، وتاريخه، ومستقبله أيضًا.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو إعادة إنتاج الكراهية نفسها التي ساهمت في تمزيق البلاد منذ البداية.

السودان لا يحتاج إلى ذاكرة انتقام… بل إلى شجاعة أخلاقية تعترف بالتضحيات، تنتقد الأخطاء، وترفض العنصرية في الوقت ذاته.
فالحرب لم تنتهِ بعد، وما تزال هناك مدن تنتظر السلام، وأطفال ينتظرون وطنًا لا يسألهم أولًا: من أي جهة جئتم؟

فالسودان لن ينجو حقًا ما دام بعض أبنائه يُطلب منهم أن يموتوا من أجل الوطن… دون أن يُسمح لهم بالشعور الكامل بأن الوطن لهم أيضًا.
ربما تنتهي المعارك يومًا، لكن السودان لن يتعافى ما لم يتوقف عن معاقبة أبنائه على ألوانهم، وجهاتهم، ولهجاتهم، وأسمائهم.

فالوطن الذي يخاف من بعض أبنائه أكثر مما يخاف على بعضهم… يبقى واقفًا على حافة حربٍ مؤجلة.

فالأوطان لا تُبنى بالخوف من بعضها… بل بالاعتراف المتساوي بإنسانية الجميع.

سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان
أنا الرسالةُ حين يضيعُ البريد،
أكتبُ كي لا تموت الحقيقة وسط الضجيج،
وأمضي… كامرأةٍ كُتبتْ من حبرِ النار لا من رمادِ الخوف.

✒️ عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات