الأحد, مايو 10, 2026

المرقاب كتب دكتور/ إسماعيل الحكيم إثيوبيا من ضفة الجوار إلى خندق العداء

إنّ الطائرات المسيّرة التي استهدفت المدنيين ومطار الخرطوم الدولي الاسبوع الماضي والتي ادت لنعطل الطيران لفترة قصيرة حتى تم إتخاذ التدابير اللازمة لاستئناف الطيران بعد زيارة قام رئيس مجلس الوزراء والاطمئنان ، لم تكن هذه المسيرات عابرة في السماء كانت رسالةً دامية، مكتوبةً بحبر الغدر، وموقّعةً بصمت من اختاروا أن يكونوا جزءاً من العدوان.كما لم يعد ممكناً تجميل المشهد، ولا تليين عباراته. ما حدث ليس “سوء تقدير سياسي”، ولا “تباين مصالح” عادي ، لكنه سقوطٌ مدوٍ في امتحان الجوار، وانخراطٌ فجّ في معركةٍ تُدار ضد السودان بوجوهٍ متعددة وأدواتٍ قذرة.
إثيوبيا، التي عرفت أرض السودان ملاذاً لمواطنيها حين ضاقت بهم السبل، والتي شربت من نيل التسامح السوداني دهراً، تقف اليوم – وفق ما أعلنه وزير الخارجية السوداني – في الضفة الأخرى من الأخلاق، منخرطةً في ترجيح كفة العدوان، ومتحللةً من أبسط حقوق الجوار. إنها ليست خيبة أمل فحسب ، إنها خيانةٌ سياسية باردة، تُدار بعقلٍ يحسب المكاسب، ويُسقط من حسابه ذاكرة الشعوب.
وحين تلتقي هذه الخطوة الإثيوبية مع أدوارٍ إقليمية أخرى، على رأسها الإمارات، فإننا لا نكون أمام صدفةٍ سياسية، وإنما أمام اصطفافٍ مكتمل الأركان، يفتح بوابة العداء على مصراعيها، ويُعيد رسم خريطة التوتر في المنطقة على حساب الدم السوداني. وهنا لا يعود الصمت حكمة، ولا الاكتفاء ببيانات الإدانة موقفاً كافياً ، بل يتحول إلى فراغٍ قد يُقرأ ضعفاً في ميزان الردع.
نعم كان البيان الرسمي حاضراً ، لكنه جاء بارداً قياساً بحرارة الاستهداف، وخافتاً أمام ضجيج الطائرات التي اخترقت سماء العاصمة في وضح النهار، في لحظات كهذه لا تحتاج الدول إلى توصيف الأزمة فقط، ولكن إلى لغةٍ تُشبه حجمها، وإلى موقفٍ يُغلق أبواب العبث، ولا يكتفي بالإشارة إليه.
لكن وعلى عكس ما خُطط له في غرف الظلام، لم ترتجف الخرطوم. ولم تنحنِ، ولم تنكسر. المدينة التي أُريد لها أن تغرق في الخوف، خرجت أكثر صلابة. الناس هناك لم يهربوا من السماء، بل واجهوها بقلوبٍ مفتوحة على الوطن. الحياة لم تتوقف، فالأسواق لم تُغلق، والإرادة لم تُقصف. بل إن كل مسيّرةٍ حلّقت، كانت تُسقط وهماً جديداً يقول ، إن السودان لا يمكن أن يُرهَب.
لقد راهنت المليشيا – ومن يمدها بالظل والسلاح – على أن ضرب المدنيين سيكسر الظهر الشعبي، ويُعطّل مشروع العودة الطوعية إلى الخرطوم. لكن الرهان سقط، وسقط معه فهمٌ قاصر لطبيعة هذا الشعب. السودانيون لا يُهزمون بالخوف، ولا يُدارون بالترهيب وإنما يزدادون ذلك التصاقاً بأرضهم كلما اشتدت عليهم الرياح. وهكذا ارتدت المؤامرة على أصحابها، وعادت الظنون إليهم مثقلةً بالفشل.
إن ما يجري اليوم ليس صراعاً عسكرياً عادياً، إنما هي لحظة فرزٍ أخلاقي حاد بين من يقف مع الحق، ومن يختبئ خلف طائراتٍ بلا طيار ليصنع مجداً زائفاً فوق أجساد الأبرياء. إثيوبيا بهذا السلوك لم تخسر السودان وحده ، لكنها خسرت صورتها، وقايضت تاريخها برهاناتٍ قصيرة العمر.
قد تُصيب المسيّرات هدفاً، لكنها تخطئ في قراءة الشعوب. والسودان، الذي يُستهدف اليوم، لا يُكتب له أن ينكسر. لأن في داخله ما هو أقوى من السلاح ، شعبٌ إذا اشتد عليه الحصار، اتسع في داخله الوطن أكثر… واتسعت معه معاني الكفاح والثبات حتى تصبح، هي السلاح.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات