ما كانت إفادات المقدم شرطة معاش، عبد الله سليمان عضو لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو المحلولة ، شهادة رُفعت في فضاء “الوسائط” فحسب ، بقدر ما كانت هِزة أخلاقية ضربت أركان ما تبقى من واجهات لجنة التفكيك سيئة الذكر . إنها لحظة الحقيقة التي تعرت فيها الشعارات الكاذبة ، وسقط عنها قناع الطهرانية المزيف، لتكشف عن وجهٍ كالحٍ لعصابةٍ لم تكتفِ بنكث العهود وروح التشفي والانتقام ، ولكنها ولغت في المال العام والخاص دون أن يهتز لها قلب ، مع استباحة لكرامة الشرفاء تحت سياط التشهير السياسي الممنهج.
وإذ يقول القانون إن الاعتراف سيد الأدلة ، فإن ما ساقه عضو اللجنة بالصورة والصوت معاً ، لم يدع مجالاً لحسن الظن أو مساحةً للتأويل. فنحن أمام إقرارٍ صريح بوقائع يشيب لها الولدان وجرائم موثقة ، سرقاتٌ منظمة، خيانة للأمانة الوطنية، وتواطؤ مفضوح انتهى بارتماء هذه الفئة في أحضان “المليشيا” لتكمل فصول المسرحية الدامية على أشلاء الوطن. إنها “خيانة عظمى” وإن تدثرت بثياب الثورية المدعاة، وكان باطنها نهبٌ وسلبٌ بغير حق.
الرسالة في هذا المقام إلى السيد وزير العدل، وإلى النائب العام.. إن صمتكم أمام هذه الإفادات الموثقة ليس وقاراً، ولكنه ثقبٌ في جدار العدالة يتسع كل يوم.
فأين تقف وزارة العدل من هذه الجرائم؟ وكيف ينام حماتها وأموال اليتامى والمظلومين والمُشهر بهم تُقسم كغنائم حرب بين “ناشطين” تحولوا إلى “جلادين”؟*
إن الحقوق في عرف القانون الذين تحكمونا به لا تسقط بالتقادم ، وما جرى من استباحة لبيوت الناس وأرصدتهم وأعراضهم ، يستوجب تحركاً فورياً منكم ، فإن المواطن السوداني الذي سُلب ماله وشُرد من دياره، ينظر إليكم اليوم وتحدوه من الآمال العراض ما لا تسعه الفضاءات فهل أنتم حراس للقانون أم شهود زور على مأساته؟
إن بناء سودان “ما بعد الحرب” لن يستقيم على أعمدة من الرمال، أو على جماجم العدالة المغدورة. فلابد للقانون أن يجري مجراه، ولابد من فتح بلاغات عاجلة بتهم خيانة الأمانة، وسرقة المال العام، والتواطؤ مع المتمردين ضد كل من ورد ذكره في تلك الإفادات الصادمة.
أيها المسؤولون: هذه أمانةٌ في أعناقكم أمام الله أولاً، وأمام شعبٍ صبر وصابر صبراً يعجز عنه البشر. إن التغاضي عن محاسبة هذه “العصابة” التي أظهرت خلاف ما أبطنت ، هو بمثابة رصاصة رحمة تُطلق على مفهوم الدولة وأجهزة عدلها ..
فضلاً افتحوا دفاتر البلاغات ، أقيموا الموازين بالقسط ، وردوا المظالم إلى أهلها.. وأروا الله من أنفسكم خيراً ، فالتاريخ لا يرحم، والدّيان لا يموت.
