الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةمقالاتمن الدامر… حين جلس الوطن للامتحان ...

من الدامر… حين جلس الوطن للامتحان الكاتبة الإعلامية : عبير نبيل محمد

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾

ليست مجرد امتحانات شهادة سودانية…
لا كنها امتحان كامل للوطن…
امتحان ضمير…
امتحان إنسانية…
وامتحان دولة… بكل ما تعنيه الكلمة من ثقل ومسؤولية وغياب وحضور.
في الدامر… لم يجلس طلاب دارفور وحدهم على مقاعد الامتحان،
بل جلس معهم السودان كله…
بكل وجعه… بكل دموعه… بكل ما تبقّى فيه من رجاء.
هناك… في أربعة مراكز بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها،

وقف التاريخ يُدوّن مشهدًا لا يُنسى:
دارفور تُؤدي امتحانها في نهر النيل…
لكن الحقيقة الأعمق… أن نهر النيل هو من كان يُمتحَن في إنسانيته… فنجح.
وفي المقابل… كان هناك من فشل حين ظن أن تعطيل التعليم يمكن أن يكون سلاحًا.
لم يكن المشهد عاديًا…
طالبات وصلن بقلوب مثقلة بآثار التعذيب…
بعضهن حملن جراحًا لا تُرى… لكنها تنزف في الداخل…
وأخريات لم يصلن أصلًا…
أوقفتهن البنادق… واحتجزتهن طرق الخوف…
وهنا لا بد أن يُقال بوضوح:
إن استهداف المليشيات لطريق الطالب إلى الامتحان ليس مجرد اعتداء على فرد، بل هو استهداف مباشر للإنسانية جمعاء، لا لطالبٍ واحد فقط.
ومع ذلك… جلس من جلس…
وكتب من كتب…
لا بالقلم فقط… بل بالصبر… وبإرادة دولة لم تُكسر بالكامل رغم كل التشققات.
هناك… بكى المتحدثون…
ولم يكن البكاء ضعفًا…
بل كان شهادة حية على أن هذا الشعب ما زال حيًّا…
بينما السياسة أحيانًا تموت في لحظة صمت أمام وجع المواطن.
بكاء الفرح… لأن طالبة نجت ووصلت.
وبكاء الألم… لأن أخرى لم تصل.
وبكاء الامتنان… لأن وطنًا لم يغلق أبوابه في وجه أبنائه رغم كل الانهيارات.
نهر النيل…
لم تكن ولاية فقط…
بل كانت دولة داخل الدولة… حين قامت بدور يفترض أن يكون مضمونًا من كل المؤسسات دون استثناء.
احتضنت أبناء دارفور…
لم تسألهم من أي قبيلة أنتم…
ولا من أي جهة جئتم…
بل قالت لهم ببساطة:
أنتم أبناء هذا الوطن… وهذا حقكم.
وهنا… يجب أن تُقال الحقيقة كاملة دون تجميل

سياسي:
ما حدث ليس مجرد مبادرة إنسانية…
بل هو إدانة قوية وصريحة لكل من ساهم في تحويل طريق التعليم من حقٍ مضمون إلى مسارٍ محفوفٍ بالخوف، بفعل الحرب، والمليشيات، وخطابات الفتنة والعنصرية التي عبثت بأمن الناس ومستقبلهم.
نعم… هناك من حاول أن يمنع هؤلاء من الوصول إلى مقاعد الامتحان…
ومن أراد أن يسرق منهم مستقبلهم…
وأن يحوّل القلم إلى صمت، والطريق إلى ساحة تهديد وصراع، بدل أن يكون طريقًا آمنًا للعلم والحياة.
لكنهم فشلوا…
لأن هذا الوطن، رغم ما يمر به من انقسام وألم، ما زالت فيه مؤسسات تقاوم الانهيار،
وما زالت فيه مجتمعات تحاول سد الفراغ، حين تتراجع الدولة عن كامل حضورها.
ومن الدامر… خرجت رسالة أكبر من كل الخطب…
سياسيًا:
أن السودان لا يُقاس بخريطة… بل بقدرة مناطقه على حماية حق الإنسان في التعلم.
وأن دارفور ليست ملفًا سياسيًا مؤجلًا…
بل قلب الوطن الذي إذا أُهمل، اهتز الجسد كله.
وأن الامتحان الحقيقي…
لم يكن ورقة وأسئلة…
بل كان اختبارًا لمن يحكم:
هل يحمي حق المواطن… أم يتركه رهينة الظروف؟
والإجابة لم تُكتب في المكاتب…
بل كُتبت في قاعات الامتحان نفسها.
إلى كل من يزرع الكراهية ويستخدم الحرب كوسيلة فرض واقع…

انظر جيدًا:
هؤلاء الطلاب جلسوا معًا… بلا عنصرية… بلا تصنيف… بلا حواجز.
وإلى كل من يتعامل مع التعليم كملف ثانوي في زمن الأزمات…
اعلم أن الأمم لا تنهار فقط بالسلاح… بل حين يُستهدف عقلها.
وإلى أبنائنا في دارفور…
أنتم لم تكونوا ضيوفًا…
أنتم أصحاب حق…
وما حدث ليس منّة من أحد… بل واجب تأخر تنفيذه في ظروف قاسية.

سيأتي يوم…
تُقام فيه الامتحانات في الفاشر… في نيالا… في الجنينة…
لا تحت حماية الاستثناء… بل تحت حماية دولة مكتملة العافية وجيشٍ وطنيٍ واحدٍ موحد.
ذلك اليوم ليس حلمًا…
بل استحقاق سياسي وأخلاقي لا بد أن يحدث.
سلامٌ على من جلسوا رغم الألم…
سلامٌ على من انتظروا ولم يصلوا…
سلامٌ على من فتحوا الأبواب حين أُغلقت أبواب كثيرة في أماكن أخرى…
سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان.

✦ توقيع لا يُنسى ✦
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
وأنا الحبر إذا ارتجف الوريد…
وأنا امرأةٌ من وجع الحقيقة… لا من ترف القصيد…
أكتب لأن الصمت خيانة…
وأكتب لأن الوطن لا يُدار بالوجع وحده، بل بالعدالة أيضًا…
إن سقطوا… أكتبهم قيامًا…
وإن صمتوا… أصرخ باسمهم من بعيد…
أنا الرسالة… حين يضيع البريد…
وأنا امرأةٌ من حبر النار… ومن وطنٍ لا يحتمل مزيدًا من التأجيل.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات