بين لوعة الشوق إلى “طيبة” وهيبة الوقوف بـ “عرفات”، يطلُّ موسم الحج هذا العام على السودانيين مثقلاً بأرقامٍ فلكية، وأوضاعٍ اقتصادية تضعُ المرء بين مطرقة الاستطاعة وسندان التعلق بأستار الكعبة. إن إعلان التكلفة التي تراوحت بين 13 و19 مليون جنيه، ما كانت إحصاءً مالياً مجرداً ، لكنه “اختبارُ يقين” في زمنٍ تهاوت فيه قيمُ العملات، وبقيت فيه قيمةُ الطاعة وهي الثابت الوحيد الذي لا ينحني.
وحين نقرأ هذه الملايين المُنفَقة بعين “الاقتصاد المحض”، نرى انكسار الجنيه السوداني أمام سطوة العملات الأجنبية؛ وهذا جرحٌ غائر في جسد الوطن أعجز المداوين من خبراء المال وسدنة السياسات النقدية. ولكن، حين نقرأها بعين “البصيرة الإيمانية”، ندرك أنَّ هذا المال -مهما تضخم- هو زبدٌ يذهب جفاءً، بينما يبقى ما ينفقه العبد في سبيل ربه ذُخراً لا تأكله “تضخمات” الدنيا ولا تمحوه عثرات النظم.
لذلك إن القول بأن التكلفة باهظة هو قولٌ يحاكم “الواقع المرير”، لكنه لا يحاكم “الفريضة”؛ فالحجُّ رحلةُ تجرُّدٍ كبرى، ومن بذل ماله الذي شقي في جمعه ليكون في ضيافة الرحمن، فقد استعاض عن الفاني بالباقي، وعن الدرهم بالرضوان. فليس كثيراً على الله أن يُبذل من أجله ما نرى فيه عناءً، ففي ميزان المحبين: “على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ”.
وأبيّن ما كشف عنه مؤتمر إعلان التكلفة للحج من تحديات لوجستية، هو بُعد المسافة في المشاعر المقدسة -خاصة في منى- بين الجمرات ومخيمات الحجاج ، يضع الحاج السوداني أمام “حجٍّ استثنائي” يختبرُ فيه صدق العزيمة قبل قوة الجسد. إن هذا البُعد ليس بعائقٍ مكاني، بقدر ما هو “ميدانٌ للمجاهدة”، يستوجب منا إعداد الحاج لا ليكون “سائحاً”، إنما “مرابطاً” يبتغي الأجر على قدر النصب.
كما أننا اليوم أمام مسؤولية تاريخية تستوجب صياغة خطابٍ إعلامي ودعوي يتجاوز لغة الأرقام الجافة إلى لغة الأرواح الواثقة. خطابٌ يقوم على:
- فقه التيسير: ليعلم الحاج أن دينه يُسر، وأنَّ بُعد المسافة يُطوى بعظيم النية وجميل الصبر.
- التعبئة الروحية: تحويل “المعاناة البدنية” المتوقعة إلى “لذةٍ تعبدية”، فكلُّ خطوةٍ في الهجير هي رفعةٌ في الدرجات.
- الواقعية الأخلاقية: تهيئة الحجاج نفسياً لتقبل ضيق المكان بفسحة الصدر، وغلاء السعر بفيض الأمل في العوض الإلهي.
سيغادر الحجاج السودانيون ديارهم، تاركين وراءهم أزماتٍ تضيق بها الأنفاس، ليدخلوا في رحاب ملكوتٍ لا يضيق بعباده. فليكن شعارنا أنَّ “المشقة تجلب التيسير”، وأنَّ الرهان اليوم ليس على قوة الجنيه، بل على قوة الصلة بالله. فمن كان الله وجهته، سجدت له الصعابُ، وطاب له البذل، وعاد من رحلته كيوم ولدته أمه؛ نقياً من الذنوب، غنياً بالرضا.
اللهم تقبل من حجاجنا، واجبر كسر بلادنا، واجعل زادهم التقوى، وعودتهم فوزاً ومغفرة.
