الخميس, مارس 26, 2026
الرئيسيةمقالاتندى الحروف ...

ندى الحروف استعادة هيبة الدولة وإعادة البناء

بقلم/ ابراهيم محمد نور

ما يحتاجه الخرطوم اليوم وما يحتاجه السودان بأكمله، يتجاوز بكثير فكرة إعادة إعمار الطرق والجسور والمباني فالقضية في جوهرها هي إعادة بناء الإنسان قبل المكان وترميم النفوس قبل البنية التحتية.
إذ لا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح في بيئة مثقلة بالانقسام وفاقدة للثقة بين المواطن والدولة.
إن إعادة الاعتبار لقيم العدالة والانتماء والمسؤولية تمثل الخطوة الأولى نحو نهضة حقيقية ومستدامة.
الوطن ليس حزبًا ولا يُختزل في سلطة عابرة بل هو كيان جامع يستوعب الجميع.
ومن هنا تأتي ضرورة ترسيخ مفهوم الدولة القائمة على دستور ثابت وقوانين واضحة يحتكم إليها كل من يتولى مسؤولية الحكم دون استثناء أو مجاملة،فالدولة التي تُبنى على المؤسسات لا على الأفراد هي وحدها القادرة على الاستمرار وتجاوز الأزمات.
وفي سياق إعادة التخطيط، تبرز فكرة توزيع الوزارات والمؤسسات الحكومية خارج المركز التقليدي كخطوة ذكية نحو تحقيق توازن تنموي وتخفيف الضغط عن العاصمة. كما أن استثمار الموقع الاستثنائي عند ملتقى النيلين، حيث يلتقي النيل الأزرق بـالنيل الأبيض ليشكّلا نهر النيل يمكن أن يحوّل المنطقة إلى وجهة سياحية عالمية ومركز جذب استثماري فريد، إذا ما أُحسن التخطيط له وتطويره.
إن بناء عاصمة إدارية جديدة بمواصفات عالمية لم يعد ترفًا، بل ضرورة تفرضها متطلبات العصر.
عاصمة تُجسد معنى الدولة الحديثة من حيث التخطيط العمراني الذكي والبنية الرقمية المتطورة والخدمات المتكاملة لتواكب التحولات العالمية وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية.
ولا يمكن الحديث عن المستقبل دون استدعاء العقول السودانية المهاجرة التي خرجت طوعًا أو قسرًا وحان الوقت لتهيئة البيئة التي تعيدها للمساهمة في البناء.
إلى جانب ذلك، يظل الشباب في الداخل هم الطاقة الحقيقية التي يجب الاستثمار فيها، عبر التعليم والتأهيل وفتح فرص المشاركة الفاعلة.
وفي قلب هذه الرؤية تبرز مسألة محاسبة الفاسدين كحجر أساس لا يمكن تجاوزه أو التهاون فيه.
فإعادة بناء الدولة لا تكتمل دون عدالة حقيقية تُطبق على الجميع وتشمل كل من أفسد أو قصّر، من أي حزب كان، ودون أي حصانة أو مجاملة،وإن سيادة حكم القانون ومبدأ المساءلة الشفافة هما الضمانة الوحيدة لعدم تكرار أخطاء الماضي، وبناء ثقة جديدة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما أن استعادة هيبة الدولة تقتضي إنهاء حالة التعدد العسكري والفوضى التي أرهقت البلاد عبر الاتفاق الوطني على جيش واحد مهني وقومي تُدمج فيه كل التشكيلات وتُحل بموجبه كافة الميليشيات دون استثناء.
فلا مجال بعد اليوم لوجود قوات بأسماء متعددة أو ولاءات ضيقة بل الاعتراف يكون فقط بـالقوات المسلحة السودانية والشرطة السودانية كمؤسسات نظامية رسمية تمثل الدولة وتحميها.
إن منح الرتب والنياشين يجب أن يظل شأنًا مؤسسيًا منضبطًا، قائمًا على التأهيل والتدرج والانضباط لا بابًا للفوضى أو الادعاء، فاحترام المؤسسة العسكرية يبدأ من احترام معاييرها وتقدير من التحقوا بها عبر الطرق النظامية، وعلى رأسها الكلية الحربية السودانية، التي تخرّج الضباط وفق أسس مهنية معروفة،وما عدا ذلك يمثل انتقاصًا من قيمة المؤسسة، وتكريسًا لحالة عدم المسؤولية التي يجب أن تُطوى بلا رجعة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى “ترميم” بالمعنى التقليدي، بل إلى إعادة بناء شاملة تبدأ من الإنسان وتنتهي بالمؤسسات وتقوم على العدالة والمحاسبة ووحدة السلاح تحت راية الدولة والرؤية الواضحة.
بهذه الأسس فقط يمكن أن ينهض الوطن من جديد قويًا بعزيمة أبنائه وعادلًا في حكمه ومتماسكًا في وجه التحديات.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات