في كل مرة تصدر فيها الولايات المتحدة الأمريكية تصنيفًا جديدًا لما تسميه قائمة الدول والجماعات الراعية للإرهاب ، يتجدد الجدل القديم حول ازدواجية المعايير التي تحكم هذه التصنيفات ، فواشنطن التي تقدّم نفسها حارسًا للديمقراطية وحامية للقيم الإنسانية ، هي أول من يخرق هذه القيم عندما تتعارض مع مصالحها السياسية ، ولذلك لم يعد السؤال المطروح في كثير من الأوساط ، من هو الإرهابي ، بقدر ما أصبح السؤال ، من يملك حق تعريف الإرهاب أصلًا ، وهل هو تعريف قانوني وأخلاقي ثابت ، أم أنه تعريف سياسي يتبدل بتبدل التحالفات والمصالح ، فالتجارب الدولية تكشف أن مفهوم الإرهاب في الخطاب الأمريكي غالبًا ما يرتبط بموقع الفاعل من السياسة الأمريكية ، فمن يقف خارج دائرة النفوذ أو يعارض سياساتها يُدفع به سريعًا إلى خانة الاتهام ، بينما تُتجاوز عن أخطاء وانتهاكات جسيمة حين تصدر من أطراف حليفة ، غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الولايات المتحدة نفسها راعية للإرهاب و العنف والصراع في العالم ، فهي شريك أساسي في دعم العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين في غزة ، كما أنها لم تتردد في انتهاك سيادة دول أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية ، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى ملاحقة أو اعتقال قادة دول كما حدث في فنزويلا ، وفي الوقت ذاته تواصل واشنطن تصعيد التوترات الإقليمية ، وتضع المنطقة على صفيح ساخن عبر صراعات متصاعدة ، من بينها المواجهة المفتوحة مع إيران ، في سياق يراه كثيرون مرتبطًا بالرغبة في ترسيخ التفوق الإسرائيلي في الشرق الأوسط ، وهنا يبرز السؤال الذي يطرح نفسه ، أي إرهاب تتحدث عنه واشنطن وهي تمارس سياسات الارهاب بالقوة والضغط على الشعوب الضعيفة قولًا وفعلًا.
لعلّ ما يجري في فلسطين يمثل المثال الأكثر حضورًا في هذا الجدل ، فالمجازر التي يتعرض لها المدنيون ، والضحايا الذين يسقطون يوميًا ، تقابل غالبًا بصمت دولي أو تبريرات سياسية ، في وقت تستمر فيه واشنطن في تقديم الدعم غير المحدود لإسرائيل ، الأمر الذي يجعل كثيرين يرون في ذلك ازدواجية صارخة في ميزان العدالة الدولية.
وبشان السودان أعاد قرار الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية فتح هذا النقاش من جديد ، ليس فقط بسبب القرار نفسه ، بل بسبب حالة الفرح الهستيري التي قابلت بها بعض القوى السياسية ، وعلى رأسها قوى صمود المتحالفة مع المليشيا ، هذا التصنيف ، ففي الوقت الذي تتوالى فيه الانتهاكات والقتل والسحل والتعذيب التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين السودانيين ، لم تُبدِ هذه القوى ذات الحماسة أو الغضب تجاه تلك الجرائم بقدر ما أظهرت احتفاءً واضحًا بقرار خارجي يتعلق بخصومها السياسيين ، وهنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل السياسي ، كيف يمكن لمن يتجاهل مآسي شعبه وجرائم تُرتكب في حقه أن يحتفي بتصنيف سياسي صادر من الخارج وكأنه حقيقة نهائية أو حكم قاطع ، إن الشعوب التي عانت من التدخلات الخارجية تدرك أن تصنيفات القوى الكبرى ليست دائمًا معيارًا للحقيقة ، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا لحسابات المصالح والتحالفات الدولية.
لعل في قول الله تعالى:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
تذكيرًا عميقًا بحقيقة الصراع في عالم المصالح ، حيث لا تُبنى المواقف على الرضا الخارجي بقدر ما تُبنى على ثوابت الأمة ومصالح شعوبها ، ولهذا فإن الحكم الحقيقي على القوى السياسية أو الكيانات الوطنية لا يُستمد من تصنيف خارجي مهما كانت الجهة التي أصدرته ، بل من ميزان الشعب نفسه ، فهو وحده القادر على التمييز بين من يخدم قضاياه الوطنية ومن يخذلها ، فالتاريخ يثبت أن الشعوب هي التي تصدر الأحكام النهائية ، أما التصنيفات السياسية فغالبًا ما تبقى مجرد أوراق في أرشيف السياسة الدولية…لنا عودة.
