الخميس, مارس 12, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة الإرهاب بين المعايير الأمريكية وذاكرة الشعوب

في كل مرة تصدر فيها الولايات المتحدة الأمريكية تصنيفًا جديدًا لما تسميه قائمة الدول والجماعات الراعية للإرهاب ، يتجدد الجدل القديم حول ازدواجية المعايير التي تحكم هذه التصنيفات ، فواشنطن التي تقدّم نفسها حارسًا للديمقراطية وحامية للقيم الإنسانية ، هي أول من يخرق هذه القيم عندما تتعارض مع مصالحها السياسية ، ولذلك لم يعد السؤال المطروح في كثير من الأوساط ، من هو الإرهابي ، بقدر ما أصبح السؤال ، من يملك حق تعريف الإرهاب أصلًا ، وهل هو تعريف قانوني وأخلاقي ثابت ، أم أنه تعريف سياسي يتبدل بتبدل التحالفات والمصالح ، فالتجارب الدولية تكشف أن مفهوم الإرهاب في الخطاب الأمريكي غالبًا ما يرتبط بموقع الفاعل من السياسة الأمريكية ، فمن يقف خارج دائرة النفوذ أو يعارض سياساتها يُدفع به سريعًا إلى خانة الاتهام ، بينما تُتجاوز عن أخطاء وانتهاكات جسيمة حين تصدر من أطراف حليفة ، غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الولايات المتحدة نفسها راعية للإرهاب و العنف والصراع في العالم ، فهي شريك أساسي في دعم العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين في غزة ، كما أنها لم تتردد في انتهاك سيادة دول أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية ، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى ملاحقة أو اعتقال قادة دول كما حدث في فنزويلا ، وفي الوقت ذاته تواصل واشنطن تصعيد التوترات الإقليمية ، وتضع المنطقة على صفيح ساخن عبر صراعات متصاعدة ، من بينها المواجهة المفتوحة مع إيران ، في سياق يراه كثيرون مرتبطًا بالرغبة في ترسيخ التفوق الإسرائيلي في الشرق الأوسط ، وهنا يبرز السؤال الذي يطرح نفسه ، أي إرهاب تتحدث عنه واشنطن وهي تمارس سياسات الارهاب بالقوة والضغط على الشعوب الضعيفة قولًا وفعلًا.

لعلّ ما يجري في فلسطين يمثل المثال الأكثر حضورًا في هذا الجدل ، فالمجازر التي يتعرض لها المدنيون ، والضحايا الذين يسقطون يوميًا ، تقابل غالبًا بصمت دولي أو تبريرات سياسية ، في وقت تستمر فيه واشنطن في تقديم الدعم غير المحدود لإسرائيل ، الأمر الذي يجعل كثيرين يرون في ذلك ازدواجية صارخة في ميزان العدالة الدولية.

وبشان السودان أعاد قرار الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية فتح هذا النقاش من جديد ، ليس فقط بسبب القرار نفسه ، بل بسبب حالة الفرح الهستيري التي قابلت بها بعض القوى السياسية ، وعلى رأسها قوى صمود المتحالفة مع المليشيا ، هذا التصنيف ، ففي الوقت الذي تتوالى فيه الانتهاكات والقتل والسحل والتعذيب التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين السودانيين ، لم تُبدِ هذه القوى ذات الحماسة أو الغضب تجاه تلك الجرائم بقدر ما أظهرت احتفاءً واضحًا بقرار خارجي يتعلق بخصومها السياسيين ، وهنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل السياسي ، كيف يمكن لمن يتجاهل مآسي شعبه وجرائم تُرتكب في حقه أن يحتفي بتصنيف سياسي صادر من الخارج وكأنه حقيقة نهائية أو حكم قاطع ، إن الشعوب التي عانت من التدخلات الخارجية تدرك أن تصنيفات القوى الكبرى ليست دائمًا معيارًا للحقيقة ، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا لحسابات المصالح والتحالفات الدولية.

لعل في قول الله تعالى:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
تذكيرًا عميقًا بحقيقة الصراع في عالم المصالح ، حيث لا تُبنى المواقف على الرضا الخارجي بقدر ما تُبنى على ثوابت الأمة ومصالح شعوبها ، ولهذا فإن الحكم الحقيقي على القوى السياسية أو الكيانات الوطنية لا يُستمد من تصنيف خارجي مهما كانت الجهة التي أصدرته ، بل من ميزان الشعب نفسه ، فهو وحده القادر على التمييز بين من يخدم قضاياه الوطنية ومن يخذلها ، فالتاريخ يثبت أن الشعوب هي التي تصدر الأحكام النهائية ، أما التصنيفات السياسية فغالبًا ما تبقى مجرد أوراق في أرشيف السياسة الدولية…لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات