تصبح الكلمة الصادقة ضرباً من المسؤولية في أزمنة التحول الكبرى، لا سيما عندما تتقاطع الآمال مع الأوجاع، فالصحافة – في أصل رسالتها – ليست صدى للأحداث فحسب، بل صوت الضمير حين يهمس، وصوت المجتمع حين يضيق صدره بما لا يجد له طريقاً إلى القرار.
ومن هذا المقام أبعث بثلاث رسائل، لا تحمل نبرة خصومة، ولكنها نبرة رجاءٍ صادق؛ رجاء أن تجد طريقها إلى حيث ينبغي أن تُسمع.
الرسالة الأولى :
إلى رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس
سيدي رئيس مجلس الوزراء…
هل تعلم كم هي رسوم امتحانات شهادة الأساس لهذا العام للمراكز الخارجية ؟ ففي مصر هذه الرسوم بلغت 3500 جنيه مصري – أي ما يقارب 250ألف جنيه سوداني للطالب الواحد – فذلك رقم لا يقف عند متوالية الأرقام، بل يتجاوزها إلى معاناة البيوت التي أرهقتها الحرب، وأثقلتها أعباء الحياة.
قد لا تحتمل الأسرة أمر طالبٍ واحد، ولكن ماذا عن أسرةٍ لها طالبان أو ثلاثة؟ وماذا عن المصروفات الأخرى التي لا تُكتب في كشوفات الرسوم، لكنها تُستوفى من جيوبٍ أنهكها العسر: مصاريف إعداد، وترحيل، وكتب، ومتطلباتٍ قبل الامتحان وأثناءه؟
ثم إن المهلة للسداد – كما أعلن – لا تتجاوز ثمانٍ وأربعين ساعة، وكأن الزمن نفسه قد ضاق بالناس.
فمن لم يسدد خلال هذه الساعات القليلة، كأنما يُمحى له عامٌ دراسي كامل من ذاكرة الجهد، وتتبخر أحلامٌ صغيرة ظلت تكبر في قلوب الصغار عاماً كاملاً.
يا سيدي…
نحن في العشر الأواخر من رمضان، وعلى أعتاب عيد الفطر وما أدراك ما عيد الفطر وتبعاته ، وليس في أيدي كثيرٍ من الناس ما يفرحون به أبناءهم سوى بشارة النجاح، وحلم الغد الذي يخطه أبناؤهم بالدفاتر والكتب.وهنا تتردد في الضمير دعوات النبي ﷺ: اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به». ولذلك نكتب إليكم أملاً، لا احتجاجاً…
أملاً أن يُعاد النظر في هذه الرسوم، وأن تُرفع هذه المشقة عن الناس،
فالاستثمار الحقيقي في هذا البلد ليس في موارده وحدها، بل في عقول أبنائه وأحلامهم.
ولعل القرار الذي يخفف عن الناس اليوم، سيظل في ذاكرتهم غداً بوصفه موقفاً من مواقف الرحمة في زمن القسوة وحكومتكم حكومة الأمل ..
الرسالة الثانية :
إلى السيد وزير الثقافة والإعلام والسياحة
سيدي الوزير…
هل تعلم أن مجلس الصحافة والمطبوعات ما يزال غائباً عن المشهد حتى هذه اللحظة؟
لقد أعلنت الحكومة – في نوفمبر 2024م – عن وظيفة الأمين العام للمجلس، وأُجريت المعاينات في منتصف عام 2025م.
بل إن وزارتكم أقامت – في مايو 2025م – ورشة لتعديل قانون المجلس، بحضور السيد مالك عقار، نائب الرئيس وكأنما كانت تلك الورشة بشارة بعودة المؤسسة إلى الحياة.
لكن ما حدث بعد ذلك… كان صمتاً.
صمتٌ جعل المجلس – الذي يفترض أن يكون حارس المهنة – غائباً، كأنما أصبح مجرد اسمٍ في ذاكرة المؤسسات.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
كيف ننتظر صحافة راشدة في غياب مجلسها؟ وكيف تستقيم الكلمة إن غاب ميزانها المؤسسي؟
إن الصحافة – يا سيدي – ليست أوراقاً تُكتب أو كلمات تقال ، إنما هي منظومة مهنية تحتاج إلى ضابطٍ يحميها من الفوضى، ويصونها من الانفلات.
فكيف يستقيم ظل الصحافة إذا كان مجلسها غائباً؟ وكيف يُطلب من الكلمة أن تكون مسؤولة، إذا كانت المؤسسة التي ترعى مسؤوليتها غائبة؟
لقد صار المجلس – للأسف – نسياً منسياً، في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى الكلمة العاقلة أكثر من أي وقت مضى.
الرسالة الثالثة :
إلى اتحاد الصحافيين السودانيين
الذي أعلن عن انتخاباته القادمة، وهي – بلا شك – بشرى لأهل المهنة.
فالصحافة التي تطمح إلى العافية لا بد أن تبدأ من بيتها الداخلي، وأن تستعيد ثقتها بنفسها قبل أن تطلب ثقة المجتمع. غير أن ما يرجوه الصحافيون – وما ينتظره الوسط الإعلامي – هو انتخابات بيضاء، لا تعرف القوائم المغلقة، ولا التكتلات التي تحوّل المهنة إلى ساحة اصطفاف.
فالصحافة بطبيعتها مهنة الأفراد الأحرار، لا الجموع المصطفة.
كما أن المهنة عانت – في سنواتٍ مضت – من تسلل من دخلوا إليها لواذاً، وامتطوا صهوتها في زمنٍ من الهشاشة المهنية التي لا تخطئها العين. ولهذا فإن هذه الانتخابات ليست إجراءاً تنظيمياً مبتوراً عن حياتنا ، إنما هي فرصة تاريخية لإعادة هيبة المهنة، وترميم معاييرها، وإعادة الاعتبار لحرمة الكلمة.
ما نرجوه فقط:
- إعدادٌ يليق بالمهنة،
- وتوقيتٌ حكيم،
- وشفافيةٌ لا يداخلها ظل شك.
فقد قال المثل السوداني قديماً:
“الحشّاش يملأ شبكته.”
أما نحن فنرجو أن تمتلئ شبكة الصحافة هذه المرة بالأجدر، والأصدق، والأقدر على حمل أمانة الكلمة .
هذه ليست رسائل احتجاج…
بل رسائل رجاء. رجاء أن تُخفف الدولة عن الناس ما أثقل ظهورهم،
وأن تعود المؤسسات إلى أماكنها الطبيعية، وأن تستعيد الصحافة السودانية صوتها الذي طالما كان ضمير المجتمع ولسانه.
فالبلاد التي خرجت من ليل الحرب، لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الطرق والجدران ، بقدرما تحتاج – قبل ذلك – إلى إعمار الثقة بين الدولة والناس، وبين الكلمة ومسؤوليتها. والله المستعان..
