د. ميمونة سعيد ادم أبورقاب
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة تحليلية استراتيجية تتناول تطور الصراع الإيراني–الصهيوأمريكي بوصفه أحد أكثر مسارات التوتر تعقيدًا في الشرق الأوسط منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. تنطلق السلسلة من فرضية أن هذا الصراع لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح صراعًا على تشكيل النظام الإقليمي وتحديد موازين القوة فيه، في ظل ارتباط عضوي بين الاستراتيجية الأمريكية وأمن إسرائيل. كما تسعى إلى تفكيك تحولات المواجهة من صدام دبلوماسي مباشر إلى نمط «حرب الظل» متعددة الأدوات، تشمل العقوبات الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والصراعات بالوكالة. وتضع السلسلة هذا التفاعل في سياقه الدولي الأوسع، حيث تتداخل حسابات الولايات المتحدة مع تحولات النظام العالمي نحو تعددية قطبية أكثر سيولة. وعليه، يهدف هذا المقال إلى تتبع المسار التاريخي للصراع لفهم جذوره البنيوية واستشراف مآلاته المستقبلية.
أولاً: أزمة الرهائن وبداية القطيعة الاستراتيجية (1979–1981)
شكّلت أزمة احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران عام 1979 نقطة التحول المفصلية في العلاقة بين البلدين. فقد اعتبرت واشنطن أن ما جرى يمثل اعتداءً مباشرًا على سيادتها، بينما رأت القيادة الإيرانية الجديدة أن السفارة كانت مركزًا للتدخل الاستخباراتي في الشأن الداخلي. هذه الأزمة لم تكن مجرد حادث دبلوماسي، بل دشّنت مرحلة انعدام الثقة البنيوي. قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وبدأت سياسة الاحتواء والعقوبات. ومنذ تلك اللحظة، باتت إيران تُصنف في الخطاب الأمريكي كقوة معادية للنظام الإقليمي الذي ترعاه واشنطن في الخليج.
ثانياً: الحرب العراقية–الإيرانية وإعادة التموضع الأمريكي (1980–1988)
اندلاع الحرب بين العراق وإيران منح الولايات المتحدة فرصة لإعادة صياغة دورها الإقليمي. ورغم إعلان الحياد الرسمي، دعمت واشنطن بغداد سياسيًا واستخباراتيًا، بهدف منع انتصار إيراني قد يُصدّر الثورة إلى المنطقة. وخلال هذه الفترة، تبلورت العقيدة الإيرانية في “الحرب غير المتكافئة”، حيث أدركت طهران محدودية قدراتها التقليدية مقارنة بالقوى الغربية، فبدأت الاستثمار في أدوات بديلة: الحرس الثوري، الشبكات الإقليمية، والصواريخ الباليستية. كما شهدت تلك المرحلة مواجهات بحرية محدودة في الخليج، أبرزها عمليات حماية ناقلات النفط الكويتية واحتكاكات مباشرة بين البحرية الأمريكية والإيرانية.
ثالثاً: الاحتواء المزدوج وتصاعد العقوبات (التسعينيات)
بعد انتهاء الحرب الباردة، تبنت واشنطن استراتيجية “الاحتواء المزدوج” ضد كل من إيران والعراق. فُرضت عقوبات اقتصادية واسعة على طهران، وجرى تصنيفها ضمن “الدول الراعية للإرهاب”. في المقابل، بدأت إيران توسيع نفوذها الإقليمي عبر دعم حلفاء غير دولتيين، خصوصًا في لبنان وفلسطين، معتبرة أن الضغط غير المباشر هو السبيل الأنسب لموازنة التفوق الأمريكي–الإسرائيلي. وهكذا انتقل الصراع من مواجهة مباشرة إلى ساحة الوكلاء.
رابعاً: مرحلة ما بعد 11 سبتمبر والتناقض الاستراتيجي
أحداث 11 سبتمبر 2001 غيّرت البيئة الاستراتيجية جذريًا. ورغم أن إيران قدمت تعاونًا تكتيكيًا محدودًا في أفغانستان ضد طالبان، فإن خطاب الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن وضعها ضمن “محور الشر”. فغزو العراق عام 2003 أوجد مفارقة استراتيجية: فقد أزال خصمًا إقليميًا لإيران، لكنه فتح المجال أمام صراع نفوذ غير مباشر بين واشنطن وطهران داخل الساحة العراقية. هنا تطورت أدوات “الحرب بالوكالة” بشكل أعمق، مع تصاعد استهداف القوات الأمريكية من جماعات مسلحة مدعومة إيرانيًا.
خامساً: الملف النووي والرهان الدبلوماسي (2006–2015)
مع تصاعد القلق الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني، دخلت الأزمة مرحلة جديدة. فُرضت حزم متتالية من العقوبات الأممية والأمريكية، فيما أصرت طهران على أن برنامجها سلمي. تُوجت المفاوضات بتوقيع الاتفاق النووي المعروف باسم Joint Comprehensive Plan of Action عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1). مثّل الاتفاق لحظة انفراج تاريخية، حيث وافقت إيران على قيود صارمة على برنامجها مقابل رفع تدريجي للعقوبات. ومن منظور استراتيجي، كان الاتفاق محاولة لإدارة الصراع لا إنهائه. فقد خفف مؤقتًا التوتر النووي، لكنه لم يعالج جذور العداء المتعلقة بالنفوذ الإقليمي والصواريخ الباليستية.
سادساً: الانسحاب الأمريكي وعودة سياسة “الضغط الأقصى” (2018)
في عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، معتبراً أنه لا يقيّد أنشطة إيران الإقليمية ولا برنامجها الصاروخي. أعادت واشنطن فرض عقوبات شاملة ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، مستهدفة الاقتصاد الإيراني وقطاع الطاقة تحديدًا. ردّت إيران بتقليص التزاماتها النووية تدريجيًا، ورفعت مستوى تخصيب اليورانيوم. كما شهدت المنطقة تصعيدًا في استهداف ناقلات النفط والمنشآت النفطية، في مؤشر على انتقال الصراع إلى مستوى “حرب الرسائل المتبادلة”.
سابعاً: اغتيال قاسم سليماني وتحول قواعد الاشتباك (2020)
شكّل اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في يناير 2020، لحظة تصعيد خطيرة. فقد اعتبرته طهران إعلان حرب مباشر، وردّت بقصف قواعد أمريكية في العراق. ورغم خطورة الحدث، تجنّب الطرفان الانزلاق إلى حرب شاملة، ما أكد أن الردع المتبادل لا يزال فاعلًا. هنا تبلورت بوضوح ملامح “حرب الظل”: ضربات محسوبة، إنكار رسمي، وتصعيد مضبوط الإيقاع.
ثامناً: الحرب السيبرانية وصراع العقول
في العقد الأخير، برزت الجبهة السيبرانية كساحة رئيسة للصراع. تبادلت واشنطن وطهران اتهامات بشن هجمات إلكترونية على منشآت حيوية وبنى تحتية. فالحرب السيبرانية توفر مزايا استراتيجية تتمثل تكلفة منخفضة نسبيًا، صعوبة الإثبات، وإمكانية توجيه ضربات مؤثرة دون إعلان حرب. وهكذا أصبح الصراع أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا.
تاسعاً: البعد الإقليمي – إسرائيل وساحات الوكلاء
لا يمكن فهم الصراع الأمريكي–الإيراني بمعزل عن العامل الإسرائيلي. فالتنسيق الأمني بين واشنطن وإسرائيل يشكل ركيزة في احتواء إيران. في المقابل، تعتمد طهران على شبكة تحالفات إقليمية لخلق عمق استراتيجي يمتد من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن. هذه المعادلة أنتجت نمطًا من الاشتباك المستمر منخفض الحدة، حيث تتجنب الأطراف المواجهة المباشرة، لكنها تدير صراعًا طويل الأمد عبر ساحات متعددة.
عاشراً: هل نحن أمام حرب باردة شرق أوسطية؟
يمكن توصيف العلاقة الراهنة بأنها أقرب إلى “حرب باردة إقليمية”. فهناك:
• ردع متبادل يمنع الحرب الشاملة.
• أدوات ضغط اقتصادية وعسكرية غير مباشرة.
• تنافس على النفوذ في مناطق هشّة.
لكن الفارق أن هذا الصراع لا تحكمه خطوط تماس واضحة، بل شبكة متداخلة من المصالح والخصومات، في ظل نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية.
منذ أزمة الرهائن عام 1979 وحتى اليوم، تطور الصراع الأمريكي–الإيراني من مواجهة أيديولوجية مباشرة إلى حرب ظل متعددة المستويات. لم تنجح العقوبات في تغيير السلوك الإيراني جذريًا، ولم تستطع إيران إزاحة النفوذ الأمريكي من المنطقة. إن جوهر الصراع يكمن في التنافس على هندسة النظام الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط:
• واشنطن تسعى إلى الحفاظ على نظام إقليمي قائم على تحالفاتها التقليدية.
• طهران تسعى إلى نظام متعدد الأقطاب إقليميًا يضمن لها اعترافًا بدورها كقوة مركزية.
ما يمنع الحرب الشاملة ليس المصالحة، بل توازن الخشية؛ فكلا الطرفين يدرك أن تكلفة المواجهة المباشرة ستكون باهظة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وبالتالي، ستستمر حرب الظل، تتغير أدواتها وتتبدل ساحاتها، لكن دون حسم نهائي في الأفق المنظور.
