هاني عثمان
لم تكن “البطانة” يوماً مجرد مساحة جغرافية في قلب السودان، بل كانت وما زالت “دولة قيم” تمشي بين الناس. والحديث عن قبيلة الشكرية ليس سرداً لمكون اجتماعي، بل هو إبحار في حضارة ضاربة الجذور، تجلت في أبهى صورها حينما اشتدت المحن، لتثبت أن “سهل البطانة” هو الرئة التي يتنفس بها الوطن عزةً وكبرياء..
من ضجيج العاصمة إلى رحاب الأصالة
في عام 2022، حينما أثقلت كاهلنا أعباء الحياة في الخرطوم، كانت الوجهة هي “دوحة السودان” (البطانة). وبدعوة كريمة من قامة وطنية سامقة، وهو الناظر العميد م. أحمد محمد حمد أبوسن، شددنا الرحال برفقة رجل الأعمال الشهم دفع الله حمد شلكي.
في “منطقة الرتاجة” بمحلية نهر عطبرة،
وبضيافة العميد العمدة عز الدين عبدالله، لم نجد مجرد استقبال، بل وجدنا مدرسة في كرم الصحب وسخاء اليد، حيث تتمايل الصحراء فخراً بسباقات الهجن وتراث الأجداد، ل نعود والسرور يملأ الجوانح بيقين أن السودان بخير ما دامت هذه الرموز تقود الركب.
معركة الكرامة.. كيمياء النبل في زمن الحرب
حينما أطبقت الحرب أنيابها في أبريل 2023، لم تفتح البطانة حدودها فحسب، بل فتحت قلوبها. في مناطق (ود بشارة، حلفا الجديدة، نهر عطبرة، والصباغ)، لامسنا “كيمياء” إنسانية فريدة. لقد سطرت قبيلة الشكرية بمداد من نور مواقف بطولية لا يمحوها الزمن. ونخص بالذكر أبناء أبوسن، رانفي، أبو طعم، أولاد أبو غالية، العيشاب، والجبوراب. هؤلاء الرجال، وبقيادة حكيمة من الناظر العميد م. أحمد أبوسن. ومواقف مشرفة للمدير التنفيذي لمحلية نهر عطبرة الأستاذ بشير بابكر العماش، وشيخ الخط سيف الدولة يوسف عمارة أبوسن، والعمدة عز الله عبدالله، وعمد مشايخ فروع الشكرية قدموا نموذجاً فريداً في القيادة الشعبية والتنفيذية.
سياج الوطن وملاذ الضعفاء
لقد رأينا بأعيننا كيف تحولت سهول البطانة إلى ساحات لدعم السيادة الوطنية؛ قوافل لا تنقطع دعماً للقوات المسلحة، ليس بالزاد فحسب، بل بالروح المعنوية والوطنية الجسورة. وفي ذات الوقت، كانت أياديهم ممدودة بالخير لكل من جار عليه الزمان من النازحين، فصار الإيواء والكساء والدواء واجباً يومياً يُؤدى بصمت الكبار وعزة الكرام.
قبيلة “الشكر”: رسالة سلام ووئام
إن “الشكرية” اليوم هي قبيلة لكل السودان، لا تعرف لغة سوى المحبة والتعايش السلمي. لقد قدموا الشهداء عبر التاريخ، وما زالوا يقدمونهم في “معركة الكرامة” دون مَنٍّ أو أذى، متمسكين بقيم المجتمع الحميدة ونابذين لكل خطاب يدعو للفرقة أو الكراهية.
مواقف الشدة
في مواقف الشدة تتمايز الصفوف، وتنجلي معادن الرجال، وفي قلب السودان النابض بالقيم، رسمت قبيلة الشكرية لوحةً بطولية تجاوزت حدود الكرم التقليدي لتصبح ملحمة إنسانية خالدة. إن ما قدمه أبناء هذه القبيلة العريقة لنا ليس مجرد عونٍ عابر، بل هو تجسيد حي لمفاهيم البر والتقوى والإحسان التي ورثوها كابراً عن كابر.
لقد برزت القيادة الأهلية والتنفيذية في أبهى صورها؛ حيث وقف السيد الناظر العميد م. أحمد أبوسن، ومعه المدير التنفيذي لمحلية نهر عطبرة الأستاذ بشير بابكر العماش، والشيخ سيف الدولة يوسف عمارة أبوسن، والعميد العمدة عز الله عبدالله، موقفاً ينم عن مسؤولية وطنية وأخلاقية رفيعة، مسنودين بعمد ومشايخ القبيلة الذين أثبتوا أن “الإدارة الأهلية” هي صمام أمان المجتمع.
ولم يكن غريباً على بيوتات العز الذين ساندونا من أبناء أبوسن، ورانفي، وأبوطعم، وأولاد أبو غالية، والعيشاب، والجبوراب، أن يتصدروا مشهد البذل. فرجالٌ أمثال دفع الله شلكي، وعثمان رانفي، وبابكر العيشابي، وأحمد أبوطعم، لم يكتفوا بالعطاء، بل قدموا “أدب العطاء” الذي يحفظ للناس كرامتهم ويؤكد ابناء الشكرية أن البطانة ستبقى دوماً مدرسة الشهامة. إن هذه الوقفة التي شهدنها الشكرية بمحليتي حلفا الجديدة ونهر عطبرة ومنطقة الصباغ وكل شبر في البطانة، هي رسالة للعالم أجمع بأن السودان بخير ما دام فيه مثل هؤلاء الرجال. شكرًا لقبيلة الشكرية، شكراً للصدور التي اتسعت قبل البيوت، وللأيدي التي امتدت بالخير في وقتٍ عز فيه المسير. ستظل هذه الوقفة نيشاناً على صدر التاريخ، ودرساً يُدرس في قيم التكافل الإنساني.
الوفاء لأهل العطاء
إلى عموم قبيلة الشكرية، وإلى الزملاء الإعلاميين الذين التقينا بهم في بطانة اب سن وقاموا توثيق هذه الملحمة التاريخية وقاموا معنا بالواجب حسن الضيافة والاستقبال والدعم (يوسف عمارة أبوسن ، متوكل أبوسن، عثمان عدلان، خالد توير، وعثمان الأمين وغيرهم من الاعلاميين )، وإلى كل “شكري” داخل وخارج الوطن.. إن كلماتنا تقصر عن وصفكم بأجمل وارق العبارات ، ولكنها محاولة لرد الجميل لرجال جعلوا من البطانة منارة للوطنية ومدرسة للإنسانية.
